حين تصبح الجامعات قوّة ناعمة للدول ..
بقلم : د / بجاد خلف البديري
مستشار الشراكات الاستراتيجية
---------------------------------
بين دفّتي الجامعة : علم نافع وتأثير ناعم ..
فَفِي عالمٍ لم تعد فيه القوّة تُقاس فقط بالاقتصاد أو السلاح أو حجم الموارد على اختلاف أنواعها، بدأت الدول تعيد تعريف مفهوم النفوذ من خلال أدوات أعمق وأكثر استدامة، ولعلّ الجامعات اليوم تمثل إحدى أهم هذه الأدوات وأكثرها تأثيرًا في تشكيل صورة الدول وصناعة حضورها العالمي، وبروزها كجزء من منظومة القوى الشاملة للدول.
فالجامعة لم تعد مجرد مؤسّسة تمنح الشهادات الأكاديمية، بل أصبحت منصّة استراتيجية لبناء التأثير، وصناعة المعرفة، واستقطاب العقول، وتكوين العلاقات العابرة للحدود، وتشكيل الوعي الاجتماعي والعلمي، وبناء الخبرات القادرة على صناعة التأثير. ومن هنا بدأت كثير من الدول تنظر إلى جامعاتها باعتبارها امتدادًا لقوّتها الناعمة، وجسرًا ثقافيًا وفكريًا يصلها بالعالم.
وحين نتأمّل التجارب الدولية الرائدة، نجد أن الجامعات الكبرى لم تصنع سمعتها فقط من خلال جودة التعليم، بل من خلال قدرتها على التحوّل إلى بيئات مؤثرة في الاقتصاد والابتكار والدبلوماسية، وحتى في تشكيل الصورة الذهنية للدول لدى الشعوب الأخرى. فكم من طالب دولي عاد إلى بلده وهو يحمل تقديرًا للدولة التي درس فيها يفوق أحيانًا أثر عشرات الحملات الإعلامية التقليدية، وكم من جامعة تحوّلت من مدرجات لنهل العلوم والفنون إلى منارات علمية وثقافية وتجارية.
وفي المملكة العربية السعودية، أرض العلم الأولى، نشهد اليوم تحولًا استثنائيًا في قطاع التعليم العالي، مدفوعًا برؤية المملكة 2030 التي أعادت صياغة دور الجامعات بوصفها شريكًا رئيسيًا في التنمية الوطنية، وليس مجرد قطاع خدمي تقليدي. وقد أصرت الرؤية على تحويل الجامعة من مؤسسة تعليمية تقليدية إلى منصّة لإنتاج المعرفة، وبثّ التطور، وصناعة التأثير. وهذا التحول لا يقتصر على تطوير البرامج الأكاديمية أو رفع كفاءة البحث العلمي فحسب، بل يمتد إلى بناء حضور عالمي فعلي للجامعات السعودية، سواء على المستوى التنافسي أو التعاوني، وتعزيز قدرتها على المنافسة، واستقطاب المواهب، وإطلاق شراكات استراتيجية ذات أثر طويل المدى وعميق التأثير.
ولعلّ من النماذج اللافتة مؤخرًا المشاركة الأكاديمية السعودية في الفعاليات المقامة بالعاصمة الروسية موسكو احتفاءً بمرور مئة عام على العلاقات السعودية الروسية، حيث لم يكن الحضور الجامعي مجرد مشاركة بروتوكولية، بل كان امتدادًا لدور الجامعات السعودية بوصفها واجهة معرفية وثقافية تعكس صورة المملكة الحديثة، والواجهة العلمية العربية. فقد شارك عدد من الأكاديميين والمتخصصين السعوديين في جلسات علمية وحوارية تناولت التعليم، واللغة العربية، والابتكار، واستقطاب الطلبة، في مشهد يعكس كيف أصبحت الجامعات جزءًا من الحضور الدبلوماسي والثقافي للمملكة على المستوى الدولي.
وهنا تتجلّى القوّة الناعمة الحقيقية؛ حين تتحول المعرفة إلى معبر للتواصل بين الشعوب، وحين يصبح الأكاديمي سفيرًا للفكر والثقافة، وحين تسهم الجامعات في بناء الصورة الذهنية للدول بقدر ما تسهم في بناء الإنسان، وتشارك في تشكيل وجدانه وتجربته الفكرية والإنسانية، تمامًا كما تسهم في تحصيله العلمي.
إن ما يحدث اليوم في الجامعات السعودية يعكس فهمًا متقدمًا لدور التعليم في صناعة المستقبل، خصوصًا مع التوسع في برامج الابتكار، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الناشئة، والشراكات الدولية، والاستثمار في رأس المال البشري. كما أن الحراك المتسارع في ملف استقطاب الطلبة الدوليين، وتطوير البيئة الجامعية، ورفع جودة المخرجات، يؤكد أن المملكة تسير نحو بناء نموذج تعليمي يمتلك حضوره وتأثيره عالميًا.
لكن الأهم من ذلك كله أن الجامعات لم تعد فقط مكانًا لتلقّي المعرفة، بل أصبحت بيئة لصناعة الوعي، وتعزيز الهوية، وترسيخ قيم الحوار والانفتاح والتسامح، والمساهمة في تشكيل وعي الإنسان وتجربته الفكرية والاجتماعية. فكل جامعة ناجحة هي في الحقيقة مشروع حضاري متكامل، ينعكس أثره على المجتمع والاقتصاد وصورة الدولة في الخارج.
ومن هنا، فإن التنافس الحقيقي في السنوات القادمة لن يكون فقط على امتلاك التقنية أو الموارد، بل على امتلاك العقول القادرة على الابتكار، والمؤسسات القادرة على صناعة الإنسان المؤثر. والدول التي تنجح في بناء جامعات ذات حضور عالمي وتأثير نوعي ستكون الأقرب إلى قيادة المستقبل.
إن الاستثمار في الجامعات هو استثمار في الاستقرار، وفي الاقتصاد، وفي السياسة، وفي الصورة الذهنية للدول، وفي الأجيال القادمة.
ولهذا السبب أصبحت الجامعات في كثير من دول العالم جزءًا من أدوات السياسة الناعمة، ومن عناصر القوة الاستراتيجية بعيدة المدى. ويبقى الرهان الأكبر دائمًا على الإنسان؛ لأنه البداية الحقيقية لكل تحوّل، والمحرك الأول لكل تنمية، والثروة التي لا تنضب مهما تغيّرت الأزمنة، فكل تنمية تبدأ بالإنسان وتنتهي إليه.