بين العيون قِصصٌ وحِكايات
✍️ د/ سلمان الغريبي
-------------------------
عيون تنظر إلينا فرحًا بصدق، وفي قرارة النفس تنطق: "ما شاء الله لا قوة إلا بالله".
وعيون تراقب من بعيد المشهد الذي نحن عليه بين نجاحاتنا وسقوطنا، وعلى أساسه يتحركون وينافقون لهذا وذاك حسب مصالحهم، ومع الخيل يا شقرا.
وعيون تتربص بنا حسدًا وحقدًا، تضمر الشر لنا، يؤلمها نجاحنا وتفرح لسقوطنا.
فما بين تلك العيون قصص وحكايات؛ منها المفرح ومنها المحزن. وفي هذا الزمن للأسف كثرت عيون الحقد والحسد حتى وصلت إلى ذروتها من القطيعة وسوء النية وقلة الأدب والتعدي على حقوق الآخرين، وبين أقرب الناس، والعياذ بالله.
فنجد الابن يحقد على والديه ويحسدهما ويقسو عليهما، ولا تأخذه بهما رحمة ولا شفقة. ونجد الأخ أو القريب لا يطيق أخاه وقريبه من أجل احتكاك بسيط بين أطفال أو نساء، أو حفنة تراب، يتلوه تراشق بالألفاظ البذيئة وقيل وقال. ونجد الجار لم يعد يطيق جاره من أجل موقف سيارة أو حاوية نظافة.
فكثرت القضايا، وامتلأت مكاتب المحامين بالمتخاصمين لأتفه الأسباب وأرذلها، حتى تخيل لي مما أرى وأسمع -والعجب العجاب من هذه القضايا- أنك إذا سألت عن شخص للاطمئنان عليه قد يُقدم شكوى فيك عن سبب هذا السؤال، وعليك أن تبرر بشهادة حال واثنين مزكين عن حسن نيتك من طرحك لهذا السؤال.
فالله المستعان، ماذا دهى كثيرًا من البشر ليقعوا في مثل هذه الأمور بالتشابك والتقاضي وسوء النوايا بين مكاتب المحامين وأروقة المحاكم؟ ماذا دهاهم وأغواهم شيطانهم لسلوك مثل هذا السلوك المشين، وابتعدوا كل البعد عن تعاليم ديننا الحنيف التي تدعونا للمحبة والألفة والسلام وصلة الرحم بيننا؟
فالحسد والتناحر بين البشر أصبح سمة من سمات هذا العصر، حتى شاعت -وللأسف الشديد- البغضاء وضاقت الصدور، وانشغل الناس بمراقبة أرزاق غيرهم عن إصلاح أنفسهم وأهلهم وأبنائهم وبناتهم. وهذا لم يكن خلق السلف الصالح ولا هدي الأنبياء.
يقول تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النساء: 54]، ويقول رسولنا وقدوتنا ﷺ: "لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا".
فعلينا -أحبتي- الرضا بما قسمه الله لنا. فما قسمه الله لك لن يأخذه غيرك، وما لم يقسمه لك لن تناله بحسدك وحقدك وبغضك. فافرح لنعمة أخيك وتمنَّ لنفسك مثلها دون زوالها عنه، فذلك يطهر القلب ويجمع النفوس على حب الخير للغير.
واعلم دون أدنى شك: من راقب الناس مات همًّا، ومن اشتغل بنفسه أفلح وفاز وعاش سعيدًا في حياته. فازرع خيرك، واحصد جهدك ليبارك الله لك وفيك.
وإذا رأيت ما يعجبك في أخيك قل: "اللهم بارك له وزده"، فتطفئ نار الحسد في مهدها. فالحاسد يأكل نفسه بنفسه كما تأكل النار الحطب، والمتناحر يخسر دينه ودنياه في محاربة أخيه، أما القانع الراضي بما آتاه الله فهو الغني ولو كان لا يملك إلا قوت يومه.
فتذكر كل هذا وتمعن فيه جليًا، وطهّر قلبك، وسلّم صدرك، يُعظم الله أجرك، ويرفع قدرك، وترتاح على الدوام نفسك.