حين سألتني ابنتي: ما الأشياء التي تذكِّرك بي؟
بقلم خليل القريبي
مستشار إعلامي
هناك أسئلة تبدو عادية، لكنها حين تُقال من شخص نحبه تأخذ مكانًا كبيرًا في القلب، فحين سألتني ابنتي ذات مساء: بابا ايش الأشياء اللي تذكِّرك بيَّا؟ بقيت صامتاً لحظة، أبحث عن جواب يليق بها، ثم اكتشفت أنني أمام سؤال أكبر من أي إجابة سريعة، توقفت لأنني تهت فعلًا، كيف أختار أشياء محددة، وهي حاضرة في تفاصيل كثيرة من يومي؟ فبعض الناس يمرون في حياتنا مروراً جميلاً، ثم يصبح أثرهم في كل زاوية، وفي كل لحظة، وفي أشياء لم نكن ننتبه لها من قبل.
يذكِّرني بها صوت الصباح حين يبدأ هادئًا؛ ذلك الإحساس الجميل الذي يصنعه أول النهار يشبه حضورها في نفسي، وتذكِّرني بها الضحكة الصافية، تلك التي تدخل المكان فتجعله أخف وأقرب إلى الفرح؛ حيث بعض الضحكات تترك أثرًا طويلاً، وضحكتها واحدة منها. وتذكِّرني بها الأشياء الصغيرة؛ وردة على الطاولة، لعبة مرمية في زاوية، ورقة كُتب عليها حرف سريع، كوب تُرك نصفه ممتلئًا، أو نافذة دخل منها الضوء فجأة؛ هذه التفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها عند الأب تحمل معاني كبيرة.
وتذكِّرني بها الأماكن الهادئة، لأن في روحها راحة يصعب وصفها، كما يذكِّرني بها العطر الخفيف الذي يمر ثم يبقى أثره، مثل حضورها تماماً، وتذكِّرني بها الحركة والحياة والطاقة، لأن بعض الأبناء يمنحون البيت روحًا مختلفة، فإذا غابوا شعر المكان بالهدوء الزائد. ثم أدركت أنني كلما حاولت أن أعدِّد الأشياء، زادت القائمة أكثر: الطريق يذكِّرني بها، والمطر، والأغاني الجميلة، وأوقات المساء، وحتى لحظات التعب التي يخففها مجرد تذكُّر من نحب.
لهذا لم أستطع الرد سريعًا، كنت أحتاج وقتًا حتى أجمع الأشياء الكثيرة التي تحمل ملامحها، ثم فهمت أن الجواب الحقيقي أبسط من كل ما فكرت فيه: يا ابنتي، أنت لا تسكنين شيئاً واحدًا، أنتِ حاضرة في أشياء كثيرة، حتى إن أيامي نفسها تذكِّرني بك.
صلوا على رسول الله ..