وهْم الألقاب… حين يتحول الشغف إلى استنزاف
بقلم - عبدالله آل شعشاع
في زمنٍ أصبحت فيه المنصات مفتوحة، والفرص الإعلامية متاحة للجميع، برزت ظاهرة لافتة تتمثل في اندفاع بعض الأفراد لتقمّص ألقاب متعددة دون أساس حقيقي أو أثر ملموس. فتجد الواحد منهم يقدّم نفسه على أنه إعلامي، ورئيس نادي، وقائد فريق، ومشرف مبادرة، وعضو في أكثر من جمعية، حتى باتت الألقاب تتراكم أكثر من الإنجازات، ويطغى الشكل على الجوهر.
هذه الظاهرة لا تقف عند حدود المظهر، بل تمتد لتؤثر على الفرد والمجتمع معًا. فالشخص الذي يحمّل نفسه أكثر مما يحتمل، غالبًا ما يدخل في دائرة استنزاف حاد؛ يهدر وقته في ملاحقة الظهور، ويبدد ماله في أنشطة غير مدروسة، ويستنزف طاقته في أعمال لا تعود عليه ولا على مجتمعه بعائد حقيقي. ومع مرور الوقت، يتحول الشغف إلى عبء، والحماس إلى إرهاق، والطموح إلى فوضى غير منتجة.
المشكلة لا تكمن في تعدد الأدوار بحد ذاته، بل في غياب العمق والهدف. فالإعلامي الحقيقي يُقاس بأثره، لا بعدد بطاقاته التعريفية. ورئيس النادي يُعرف بإنجازاته، لا بمجرد لقبه. والعمل التطوعي يُبنى على الاستمرارية والجودة، لا على الظهور المؤقت والتصوير الموسمي. أما حين تصبح الألقاب وسيلة للوجاهة الاجتماعية فقط، فإنها تفقد قيمتها، وتتحول إلى عبء معنوي ومهني.
من زاويةٍ أخرى، ينعكس هذا السلوك سلبًا على بيئة العمل التطوعي والإعلامي. إذ يؤدي إلى تشويش الصورة، وإضعاف الثقة، وخلق نماذج سطحية تُحتذى من قبل البعض، مما يضر بجودة المبادرات ويقلل من مصداقيتها. فالمجتمع لا يحتاج إلى كثرة الأسماء بقدر ما يحتاج إلى صدق الأداء، ولا إلى تضخم المسميات بقدر ما يحتاج إلى وضوح الأثر.
الحل يبدأ من الوعي الذاتي؛ أن يعرف الإنسان قدراته وحدوده، وأن يختار مجالًا أو مجالين يبدع فيهما بعمق، بدل التشتت في عدة مسارات بلا نتيجة. كما أن على الجهات الرسمية والمجتمعية أن تعزز ثقافة التقييم المبني على الإنجاز، لا على المسميات، وأن تكرّس معايير واضحة تميز بين العمل الحقيقي والادعاء.
في النهاية، تبقى القاعدة البسيطة هي الأصدق:
ليس المهم ماذا تُسمّي نفسك، بل ماذا قدّمت.
فالأثر هو اللغة الوحيدة التي لا تُجامل، والإنجاز هو اللقب الذي لا يُمنح… بل يُكتسب.