بناء الألم: حين يتحول الوجع إلى مشروع حياة
محمد مباركي
أستاذ جامعي عضو مجلس الشورى
في حياة الإنسان محطات لا يختارها، لكنها تختاره. لحظات ينكسر فيها شيء داخله، ولا شك ان الانكسار نتيجه الألم ثقيل على النفس البشريه ، فيظن أن كل ما بُني قد انهار، وأن ما تبقى لا يصلح للترميم. غير أن الحقيقة الأعمق، التي يغفلها كثيرون، أن الألم ليس دائمًا نهاية الطريق، بل قد يكون بدايته الحقيقية.
وهذا ما ذكره ابن خلدون عندما تحدث عن فساد العمران ويقصد به ضياع النفس.
الألم، في صورته الخام، قاسٍ ومربك. يربك المشاعر، ويخلخل الثقة، ويجعل الإنسان يعيد النظر في كل شيء: في نفسه، في الآخرين، وفي معنى الحياة ذاتها. لكنه، في الوقت ذاته، يحمل بذورًا خفية للنضج، لا تظهر إلا لمن يملك الشجاعة ليواجهه، لا ليهرب منه.
لقد أثبتت التجارب الإنسانية، عبر التاريخ، أن أعظم التحولات لم تولد من الراحة، بل من المعاناة. القادة، والمفكرون، وحتى المبدعون، لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه عبر طرق ممهدة، بل عبر صراعات داخلية وتجارب موجعة صنعت منهم نسخة أكثر وعيًا وصلابةً . الألم، حين يُفهم، يتحول من عبء إلى أداة، ومن جرح إلى معلم.
غير أن بناء الألم لا يعني تمجيده أو البحث عنه، بل يعني حسن التعامل معه حين يقع. أن يُترجم إلى عمل، إلى إنجاز، إلى إعادة ترتيب الأولويات. أن يصبح دافعًا لا عائقًا، وقوة لا ضعفًا. فالفارق بين من يسقط تحت وطأة الألم، ومن يصنع منه سلّمًا للصعود، ليس في حجم المعاناة، بل في طريقة الاستجابة لها.
في مجتمعاتنا، غالبًا ما يُنظر إلى الألم بوصفه شيئًا يجب إخفاؤه أو تجاوزه سريعًا، دون فهمه. وهذا ما يحرم الإنسان من فرصة حقيقية للنمو. فالمواجهة الصادقة مع الألم، والتعبير عنه بوعي، يمنحان الفرد قدرة أكبر على التوازن النفسي، وعلى بناء حياة أكثر عمقًا وصدقًا.
إن بناء الألم هو، في جوهره، عملية إعادة تشكيل للذات. هو أن يعيد الإنسان تعريف نفسه، لا بما فقد، بل بما تعلم. أن يدرك أن قوته لا تكمن في تجنب الانكسار، بل في قدرته على النهوض بعده.
وفي نهاية المطاف، النفس البشريه عليها ان تتعامل مع واقع الألم، هل تترك الألم يهدمها، أم تجعله يبنى فيها ما لم يكن بدونه.