|

عتبة الوداع ..!!

الكاتب : الحدث 2026-03-09 12:30:53

بقلم / عبهر نادي
-----------------------------

لحظة غريبة في رمضان ربما لا ينتبه لها الكثيرون. 
إنها لحظة هادئة، عابرة، لكنها ! توقظ في القلب شيئًا من الدهشة.
تلك اللحظة التي نفتح فيها التقويم… فندرك فجأة أن ثلثي رمضان قد مضى .
كيف حدث ذلك وبهذه السرعة؟
أين ذهبت تلك الأيام التي كنا نظنها طويلة؟
كأن الشهر الذي دخل بوقار وطمأنينة، بدأ يخفف خطاه بهدوء،
ويتسلل من بين أيامنا دون أن نشعر.
وفجأة نجد أنفسنا واقفين عند عتبة العشر الأخيرة. 
حيث يتهيأ رمضان لفتح أعظم أبوابه،
وفي الوقت نفسه يلمّح لنا بصمتٍ حنون
أن موعد الرحيل لم يعد بعيدًا.
في هذه اللحظة تحديدًا يبدأ شعور مختلف بالتسلل إلى القلب.
فرمضان لم يعد كما كان في أيامه الأولى ، ذلك الاتساع الذي كان يمنحنا إحساسًا بأن الوقت ما زال طويلًا… بدأ يضيق قليلًا.
والأيام  التي مضت لم تعد وعدًا بالمستقبل، بل أصبحت ذكرى :
أول إفطار، أول تراويح، أول دعاء نردده .
وها نحن الآن نقف على عتبة تلك المنطقة من رمضان…
إنها المسافة القصيرة التي تفصلنا عن العشر الأواخر،
حيث تبدأ أعظم ليالي الشهر بالاقتراب،
ويبدأ القلب في الوقت نفسه يشعر بالشعور الخفي، إن هذا الضيف الكريم لم يعد مقيمًا طويلًا كما كنا نظن . شعور لا يصرّح به أحد ، نشعر به حين نعدّ الأيام الباقية ،وحين ندرك أن هذا الشهر الذي انتظرناه طويلًا يقترب من نهايته.
(رمضان لا يرحل دفعة واحدة ، بل يعلّمنا الوداع بالتدرّج )
تغيب أيامه الأولى دون أن نشعر،
ثم يمضي النصف الثاني بهدوء ، وفجأة نجد أنفسنا أمام أيام قليلة فقط.
وتبقى رحمة الله في هذا الشهر عجيبة.
فأعظم ما في رمضان لم يأتِ بعد.
كأن الله جعل نهاية الشهر أثمن من بدايته،
وجعل في العشر الأواخر فرصة أخيرة لمن شعر أن الأيام السابقة مضت أسرع مما كان يتمنى .
رسالة يحملها رمضان لنا الآن تقول:
ربما فاتك الكثير لكن الطريق لم يُغلق بعد.
ها نحن نقف عند عتبة العشر الأواخر،
الليالي التي تختصر الرحلة كلها.
ليالٍ قليلة في عددها،
لكنها واسعة في معناها.
فرُب ليلة صادقة تعيد ترتيب القلب كله،
ورب دعاء في ساعة صفاء ، يمنح الأيام الماضية معنى جديدًا.
لهذا لا ننظر إلى ما مضى من رمضان بحسرة،
بل ننظر إلى ما بقي منه بعين مختلفة.
فبعض المواسم حين تقترب من الرحيل…
تفتح أجمل أبوابها.
ورمضان واحدٌ منها.