مكاتب مدينتي.. حين تتحوّل الخدمة إلى ثقافة
د طلال الحربي
لم تعد مكاتب مدينتي في الرياض مجرد نوافذ لإنجاز المعاملات وتقديم الخدمات البلدية. شيئاً فشيئاً، صارت أقرب إلى أماكن يقصدها السكان لأنهم يريدون أن يكونوا هناك، لا لأن لديهم ورقة يوقّعونها.
هذا التحوّل ليس مصادفةً، بل هو نتيجة رؤية واضحة تتجسّد يوماً بعد يوم في مبادرات تجمع المثقفين والمهتمين بالتاريخ والحياة المحلية تحت سقف واحد، في حيّهم، بلا تكلّف ولا بُعد.
آخر هذه المبادرات كانت محاضرة أقامها قطاع وسط الرياض بإدارة المهندس خالد الرويشد، استضافها مكتب مدينتي بحي المغرزات. عنوانها لافت ويستحق التوقف عنده: “من حجر اليمامة إلى الرياض الحديثة”.
المحاضرة لم تكن أكاديمية جافّة تُلقى أمام صفوف من الكراسي الفارغة. كان اللقاء حواراً حقيقياً يسلّط الضوء على تاريخ الرياض، ملامحها الاجتماعية والاقتصادية، وكيف انتقلت المدينة من طين ونخيل إلى ما هي عليه اليوم. وأدار الحوار بأسلوبه الهادئ والعميق الإعلامي والأكاديمي الدكتور سليمان العيدي، الذي يعرف كيف يفتح الأسئلة الصحيحة ويترك للحاضرين فرصة التأمل.
خرج الحاضرون بأكثر مما جاؤوا به.
ما يميّز هذه المكاتب أنها تلتصق بالناس جغرافياً وإنسانياً. هي في الحي، قريبة، ودودة. وحين تُقام فيها مناسبة وطنية أو احتفالية، يأتي الأطفال مع آبائهم، يشاركون الفرحة في أجواء مألوفة ومريحة. هذا التفصيل الصغير يقول الكثير عن الفكرة كلها: مدينة تُبنى من داخل أحيائها.
ولا تقف عند هذا الحد فالأحد القادم موعد مع محاضرة جديدة في مكتب مدينتي بحي المعذر، بعنوان “أسبقيات تاريخية في وسط الرياض”، يواصل فيها قطاع الوسط مسيرته في استحضار ذاكرة المدينة وتقديمها للناس بشكل حيّ وقابل للحوار.
في المحصلة، ما تفعله أمانة منطقة الرياض، ممثّلةً بأمينها سمو الأمير الدكتور فيصل بن عبدالعزيز بن عياف ، ومنفَّذاً بجهد حقيقي من المهندس خالد الرويشد وفريقه في قطاع الوسط، هو أنها تُقرّب المسافة بين المدينة وسكانها. تجعل الرياض ليست مجرد مكان تعيش فيه، بل مكاناً تشعر أنك جزء من قصته.
وهذا بالضبط ما تريده القيادة: مدينة عالمية بروح سعودية.