|

سر القائد الناجح أن يسبق تفكيره عصره

الكاتب : الحدث 2026-01-26 02:13:11

بقلم د. بجاد البديري 
مستشار الشراكات والاتصال المؤسسي 


سر القيادة الناجحة لا يرتبط بسرعة القرار فقط، بل بالقدرة على رؤية ما يتجاوز اللحظة، فالقائد الذي يسبق تفكيره عصره لا يكتفي بإدارة الواقع كما هو، بل ينظر إلى ما يمكن أن يصبح عليه، ويقرأ التحولات قبل أن تفرض نفسها، ويبني الخيارات الاستراتيجية قبل أن تتحول إلى ضرورة.

هذا المعنى يظهر بوضوح في الحضور السعودي المؤثر في المنتدى الاقتصادي العالمي “دافوس”، الذي انتهت فعالياته مؤخراً، حيث تعاملت المملكة مع هذه المناسبة بكونها مساحة لفهم اتجاهات الاقتصاد العالمي، وبناء الشراكات، وتبادل الرؤى حول التحديات المشتركة، فالمشاركة السعودية هناك لم تقم على الحضور الرمزي، بل على نقاشات تتصل بالاستقرار الاقتصادي، والتنمية المستدامة، والتحول التقني، وتطوير القطاعات الجديدة. وفي هذا السياق، برز دور عدد من وزراء المملكة الذين يمثلون واجهات تنفيذية لملفات ترتبط بعلاقات السعودية مع العالم، فمشاركة سمو وزير الخارجية، وأصحاب المعالي، وزير المالية، ووزير الاقتصاد والتخطيط، ووزير السياحة، ووزير التجارة، إضافة إلى وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، ووزير الصناعة والثروة المعدنية، عكست اتساع النظرة السعودية للتحول بوصفه مشروعاً متعدد الأبعاد، يتجاوز الداخل إلى موقع المملكة في الاقتصاد الدولي، وذلك مساندة ومشاركة عدد من الهيئات الوطنية المعنية بالاستثمار والتنمية والابتكار والثقافة.

عندما يتحدث وزير الخارجية عن الالتزام بتعزيز التعاون الدولي لمواجهة التحديات الاقتصادية العالمية، فهذه رسالة تعكس إدراكاً بأن الاقتصاد اليوم شبكة مترابطة، وأن مواجهة الأزمات تتطلب شراكات وحواراً مستمراً. وعندما يشارك وزير المالية في نقاشات الاستقرار الاقتصادي العالمي، فذلك يربط الإصلاحات الوطنية بالسياق الدولي. كذلك، حضور وزير الاقتصاد والتخطيط أوضح كيف تتعامل المملكة مع التحول باعتباره مساراً استراتيجياً طويل الأثر، يرتبط بتوجيه الموارد، ورفع كفاءة السياسات، وبناء اقتصاد متنوع قادر على الاستجابة للمتغيرات العالمية، بينما أبرز وزير السياحة دور القطاعات الجديدة في صناعة النمو، وتحويل التجارب الوطنية إلى فرص اقتصادية منافسة، أما مشاركة وزير التجارة فأضافت بعداً مهماً يتعلق بحركة الأسواق، وتسهيل التبادل التجاري، وتعزيز موقع المملكة كشريك اقتصادي في بيئة عالمية تتغير فيها سلاسل الإمداد وأنماط الاستثمار. ويأتي حضور وزير الاتصالات وتقنية المعلومات ليؤكد أن الاقتصاد الرقمي والتحول التقني أصبحا جزءاً من تنافسية الدول، بينما عكس وزير الصناعة والثروة المعدنية أهمية تطوير القاعدة الصناعية وتعزيز سلاسل الإمداد كركائز حيوية للاقتصاد المستقبلي.

القائد الذي يسبق تفكيره عصره يمتلك خصائص واضحة: وضوح الاتجاه، القدرة على قراءة العالم كما يتغير، والاستثمار في القطاعات التي ستصنع المستقبل، كما يمتلك شجاعة الدخول في الحوار الدولي بثقة وواقعية، بعيداً عن الشعارات، وبقرب أكبر من لغة المصالح المشتركة. وفي عالم يتسم بالتحولات المتسارعة، تصبح القيادة الاستباقية هي الفارق الحقيقي بين من يدير الحاضر ومن يصنع المستقبل، وتجربة الحضور السعودي في "دافوس" تقدم نموذجاً لكيف تتحول الرؤية إلى مشاركة فاعلة، وكيف يصبح التفكير المتقدم أداة لحماية الاستقرار وتعظيم الفرص وبناء أثر يتجاوز حدود الزمن القريب.