|

ما بعد الضجيج و لماذا يختار الناس الصمت ..؟!

الكاتب : الحدث 2026-01-26 01:19:36

بقلم🖋️خيرية حتاته
-------------------------------


في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات وتتشابه الخطابات، لم يعد ارتفاع الصوت دليلًا على قوة الفكرة، ولا كثرة الحديث مؤشرًا على عمق الوعي. على العكس، يبدو أن المجتمعات – ومنها المجتمعات العربية – دخلت مرحلة جديدة يتراجع فيها الحماس للكلام، ويصعد فيها الصمت بوصفه موقفًا لا يقل دلالة عن الخطاب العلني.

خلال السنوات الأخيرة، اعتاد الناس على سيلٍ لا يتوقف من الأخبار، والتحليلات، والآراء المتناقضة. كل حدث يتحول إلى قضية رأي عام، وكل قضية تُستنزف خلال ساعات، ثم تُنسى مع ظهور حدث جديد. هذا التسارع لم يمنح الجمهور فهمًا أعمق، بل ولّد شعورًا عامًا بالإرهاق وفقدان المعنى، حتى بات التفاعل المستمر عبئًا نفسيًا أكثر منه مشاركة واعية.

وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا محوريًا في هذا التحول. فبعد أن كانت مساحة للتعبير الحر، أصبحت عند كثيرين ساحة صاخبة تتكرر فيها الأفكار نفسها، وتُعاد فيها المشاعر ذاتها، دون نتائج ملموسة. ومع الوقت، بدأ عدد متزايد من المستخدمين ينسحبون بهدوء، لا بدافع اللامبالاة، بل نتيجة شعور متراكم بأن الصوت الفردي لم يعد يُحدث فرقًا وسط هذا الزحام.

اللافت أن هذا الصمت المتنامي لا يعني غياب الاهتمام بالشأن العام. بل يمكن اعتباره شكلًا جديدًا من الوعي، يرفض الاستهلاك السريع للقضايا، ويبحث عن الفهم بدل التفاعل اللحظي، وعن الفعل الحقيقي بدل الجدل المتكرر. كثيرون اختاروا أن يراقبوا، أن يفكروا، أو أن يعملوا بصمت، بعيدًا عن منصات الاستعراض اليومي.

حتى الخطاب الإعلامي بدأ يلمس هذا التغيّر. فالقارئ لم يعد ينجذب بسهولة إلى العناوين الصاخبة، بقدر ما يبحث عن تحليل هادئ، وسرد منطقي، ومحتوى يحترم عقله. وهذا يضع المؤسسات الإعلامية أمام اختبار حقيقي: إما مواصلة الركض خلف الضجيج، أو إعادة الاعتبار للمعنى والعمق.

التحدي الأكبر اليوم لا يكمن في من يتحدث أكثر، بل في من يستطيع أن يقول شيئًا يستحق الاستماع. فالكلام حين يفقد قيمته يتحول إلى ضوضاء، أما الصمت الواعي، فقد يكون المساحة الأخيرة لإعادة ترتيب الأفكار، وبناء مواقف أكثر نضجًا.

«في زمنٍ يزداد فيه الكلام وتتناقص فيه المعاني، لا يبدو الصمت انسحابًا من المشهد، بل محاولة أخيرة لإنقاذ الوعي من الإرهاق. فبعض الأصوات لا تختفي لأنها ضعيفة، بل لأنها تنتظر لحظة يكون للكلام فيها أثر، لا مجرد صدى .