الملك سلمان عهد الحكمة والطموح
بقلم: د.طلال الحربي
تحلُّ هذه الأيام الذكرى الحادية عشرة لتولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود مقاليد الحكم في المملكة العربية السعودية. ليست هذه الذكرى مجرّد محطة زمنية، بل هي إطلالة على عقدٍ من الزمان شكّل منعطفًا تاريخيًا مفصليًا، بُنيت أسسه على خبرة تراكمية نادرة، وقادته شراكة قيادية فريدة بين مَلِكٍ حكيمٍ هو خُبرة البلاد وحكايتها، وولي عهدٍ طموحٍ هو مُحرك تحوّلها ومستقبلها. لقد تحولت المملكة خلال هذه السنوات من دولةٍ تعتمد في رؤيتها على ما هو كائن، إلى أمةٍ تُشكّل بمشاريعها ما سيكون.
لا يمكن فهم فلسفة الحكم في عهد الملك سلمان بمعزل عن مسيرته التكوينية الطويلة. فقبل تسلّمه العرش، قاد الملك سلمان كأمير لمنطقة الرياض واحدة من أعقد وأضخم عمليات التحضر في التاريخ الحديث، وذلك لأكثر من 56 عاماً، حيث عُين أميراً للرياض بالنيابة عام 1954، ثم أميراً عليها بمرتبة وزير في العام التالي. خلال هذه العقود الخمسة، حوّل العاصمة من بلدة محلية إلى إحدى أسرع مدن العالم نمواً وتأثيراً، القائم على التخطيط طويل المدى، وتنمية الإنسان والمكان.
هذه المسيرة الطويلة جعلت منه "ذاكرة المملكة الحية" وأمين سر تاريخها، وخبيراً بطبائع المجتمع ودقائق الأمور، وهو ما منح رؤية التحول القادمة عمقاً تاريخياً وأصالة. في عام 2012، عُيّن ولياً للعهد ونائباً لرئيس مجلس الوزراء، ثم تولى العرش في 23 يناير 2015، حاملاً معه هذه الخبرة العميقة ليمنح مسيرة التحديث أساساً متيناً من الحكمة والاستقرار.
شكلت قيادة الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان نموذجاً يُدرس في تواصل الأجيال القيادية وانتقال مسؤولية البناء. ففي الوقت الذي وفّرت فيه قيادة الملك سلمان، بحكمته المتراكمة واتزانها، الغطاء والعمق الاستراتيجي للتحولات الكبرى، قاد ولي العهد، بحيويته ورؤيته الاستشرافية، ديناميكية التنفيذ والمضيّ قُدُماً.
و يُعد سمو ولي العهد مهندس "رؤية المملكة 2030" وقائد مسارات تحقيقها. بينما وضع الملك سلمان، بإرثه وإدارته الحكيمة، الأسس الآمنة لإطلاق هذه الرؤية الطموحة.
وفي المجال العسكري والأمني، تولى ولي العهد منصب وزير الدفاع بعد تولي الملك سلمان الحكم، وقاد تحديث قطاع الدفاع وتعزيز قدراته، تحت مظلة التوجيه والدعم الملكي المستمر.
و شهد العهد السلماني إطلاق وتحقيق عدد من المشاريع والتحولات التي طالت كافة مناحي الحياة، مستندة إلى ثنائية "الحكمة والطموح":
فرؤية 2030: الإطار الشامل لتحول المملكة من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد متنوع ومستدام، يهدف لتنمية مصادر الإيرادات غير النفطية.
وإطلاق مشاريع ضخمة مثل "نيوم"، و"القدية"، و"مشروع البحر الأحمر"، التي تُعرِّف باقتصاد المعرفة والجودة الحياتية.
و تمكين القطاع الخاص و دعم بيئة الأعمال والاستثمار ليكون محركاً أساسياً للنمو.
وفي عهده اتخذت قرارات تاريخية كرفع الحظر عن قيادة المرأة للسيارة، وزيادة مشاركتها في سوق العمل.
و انفتاح غير مسبوق على الأنشطة الثقافية والترفيهية الدولية والمحلية، مما عزز جودة الحياة ووفر فرصاً اقتصادية جديدة.
وفتح باب السياحة الدولية على مصراعيه، للتعريف بكنوز المملكة الطبيعية والثقافية.
وتحتفي المملكة بدورها كأحد أكبر المانحين عالمياً في المجال الإنساني. ويمثل "مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية" الذراع التنفيذي لهذا الدور، حيث حققت المملكة المرتبة الثانية عالمياً والأولى عربياً بين الدول المانحة للمساعدات الإنسانية لعام 2025، وكانت الداعم الأول لليمن. ينفذ المركز مئات المشاريع في عشرات الدول سنوياً، بتوجيه ودعم مباشر من القيادة.
و تبنّت المملكة سياسة خارجية نشطة وحيوية، عززت من مكانتها كقائد إقليمي وفاعل دولي مؤثر وقادر على الوساطة وقيادة المبادرات السلمية.
تمثل الذكرى الحادية عشرة لبيعة الملك سلمان أكثر من مجرد استحضار للمنجزات. إنها تأكيد على نجاح نموذج القيادة المتكاملة الذي يجمع بين حكمة التأسيس وطاقة التجديد. لقد نجحت القيادة السعودية في تحويل المملكة إلى ورشة عمل كبرى لإطلاق طاقات المستقبل، بينما حافظت على ثوابتها وأصالتها.
بقيادة الملك سلمان، حكيم الأمة وعمادها، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، مهندس غدها وطموحها، تسير المملكة بثبات نحو آفاق 2030 وما بعدها، لكتابة فصول جديدة من الريادة، تضعها في قلب خريطة العالم الجديد، ليس بقوة اقتصادها فحسب، بل بقوة رؤيتها، وعمق استقرارها، وإصرار شعبها على صناعة مستقبل لا يعترف بالمستحيل.