|

أزمة المصداقية: بين بضاعة التاجر وأمانة الإعلامي

الكاتب : الحدث 2026-01-25 09:52:25

بقلم ـ محمد العتيّق 

في عالم التجارة، ثمة قاعدة ذهبية لا تحيد: "المصداقية هي رأس المال الحقيقي". فحين يفقد التاجر ثقة عملائه، ويلجأ إلى طرق ملتوية لتصريف بضاعته —سواء بالكذب في مصدرها، أو جودتها، أو قيمتها— فإنه يحكم على نفسه بالإفلاس المعنوي قبل المادي. فبمجرد أن يُكشف زيفه، تزول تجارته، وينفض الناس من حوله؛ فالكاذب لا يملك في سوق الشرفاء مكاناً، والربح القائم على الخداع هو خسارة فادحة في ميزان الاستدامة والسمعة.
هذا المشهد التجاري المتآكل نراه اليوم يتكرر بصورة أكثر خطورة في "سوق الكلمة"، حيث يقع بعض الإعلاميين في فخ تصفية الحسابات الشخصية على حساب الحقيقة. إن الإعلامي الذي يجعل من منصته ساحة لتشويه الخصوم أو تلميع الأصدقاء بناءً على الهوى والمحبة، هو إعلامي "خائن للأمانة". فالرسالة الإعلامية تقتضي نقل الخبر بشكله الحقيقي الذي وقع تماماً، حتى وإن كان هذا الخبر لا يوافق هوى الإعلامي أو يخدم خصماً لا يوده.
إن السقوط الحقيقي للإعلامي يبدأ حين يفقد القارئ الثقة في قلمه؛ فالمتلقي الذكي يدرك متى تُقلب الحقائق لغرض في النفس. وعندها، حتى لو كتب هذا الإعلامي خبراً صادقاً بنسبة مئة بالمئة، فلن يصدقه أحد؛ لأن "عدوى الكذب" قد لوثت تاريخه المهني. إن الواجب الأخلاقي يحتم علينا إنصاف الآخرين؛ فإذا نال شخص متميز جائزة أو حقق منجزاً، وجب علينا إظهاره ونقله بما يستحق من إجلال، بعيداً عن صراعات "القطيعة والكراهية".
ولعل ما يؤلم اليوم هو رؤية بعض المؤسسات الإعلامية العريقة تستقطب دخلاء على المهنة، يقتاتون على الأخبار الزائفة وما يُتداول في المجالس من روايات غير موثقة. إن التثبت في مجالنا لا يجب أن يكون بنسبة مئة بالمئة فحسب، بل "ألف بالمئة"؛ لأن الكلمة مسؤولية، والخبر أمانة. ومن هنا، أوجه نصيحتي لنفسي أولاً كإعلامي عركته السنوات، ولزملائي ثانياً: من لم يتأكد من خبره فلا ينشره، ولا تجعل كراهيتك لشخص مبرراً لظلم الحقيقة.

ختاماً، إن لم تستطع الفصل بين مشاعرك الشخصية وبين مهنيتك، واتباع منهج "الصدق ولو على النفس"، فاترك هذا المجال لأهله. فالساحة لا تزال تزخر بإعلاميين منصفين نتعلم منهم، أما أولئك الذين التصقوا بالمهنة دون فقه بدهاليزها، فسيظل التاريخ يسجل أن المصداقية كانت وستبقى هي الفيصل بين الإعلامي الحقيقي وبين منتحل الصفة.