|

النصيحة عند ضعاف العقول .. إسقاط لا إرشاد

الكاتب : الحدث 2026-01-20 05:36:59

بقلم  ــ جبران بن عمر
--------------------------------- 
 المشكلة ليست في النصيحة ، ولا في قائلها، ولا حتى في قسوتها أحيانًا ، المشكلة في عقلٍ لا يحتمل أن يُقال له: أنت مخطئ..

ضعيف العقل لا يفهم النصيحة لأنها أعلى من سقف وعيه، فيترجمها فورًا إلى هجوم شخصي ، هو لا يملك أدوات التفكير، فيستعيض عنها بردود فعل بدائية: غضب، تشويه، اتهام، وعداء ، النصيحة عنده ليست توجيهًا، بل فضيحة ،
وليست إنقاذًا، بل تهديدًا لصورته الواهية التي بناها من الوهم..

العقول الضعيفة لا تناقش الأفكار، تطعن في النوايا ، لا ترد بالحجة، ترد بالإسقاط ، ولا تواجه الخطأ، تهاجم من أشار إليه..

حين تقول له: “راجع نفسك” ، يسمع: “أنت أقل مني”.
وحين تقول: “هذا الطريق خاطئ” ، يفهم: “أنت فاشل”..

لأن ضعيف العقل لا يملك فصلًا بين النقد والكرامة، ولا بين الخطأ والذات ، هو وخطؤه كيان واحد، فإذا انتقدت الخطأ شعر أنك اغتلته معنويًا ، ولهذا، فإن النصيحة عنده لا تُرفض بعقل، بل تُحارب بغريزة..

العاقل يرى النصيحة فرصة ، وضعيف العقل يراها مؤامرة.
العاقل يصمت ليفهم، وضعيف العقل يصرخ ليغطي عجزه ،
العاقل قد يخطئ ويتراجع، وضعيف العقل يخطئ… ثم يبني على خطئه عنادًا مقدسًا..

والمثير للسخرية أن ضعاف العقول هم أكثر الناس ادعاءً للفهم، وأكثرهم حديثًا عن الحكمة، وأكثرهم حساسية من أي كلمة لا توافق هواهم ، يرفعون شعارات الوعي، لكنهم ينهارون عند أول نصيحة صادقة..

هم لا يريدون نصيحة ، يريدون تصفيقًا ، ولا يطلبون إرشادًا،
بل تبريرًا دائمًا لفشلهم ، وحين لا يجدون من يبرر لهم، يصنعون عدوًا من الناصح، ويشوهونه، ويتهمونه بالغرور، بالتدخل، بالحسد ..!
أي شيء، ما عدا الاعتراف بالحقيقة ، الحقيقة التي لا يتحملها ضعيف العقل هي هذه:
لو كنت عاقلًا، لما آلمتك النصيحة.

لذلك، لا تُخطئ الظن بنفسك إن رُفضت نصيحتك بعنف، ولا تراجع صدقك لأنهم أساءوا فهمه ، فبعض العقول لا تُصلح، لأنها لا تعترف أصلًا بأنها معطوبة ، والمفارقة المؤلمة أن هؤلاء يطالبون بالنصيحة شكلًا، فإذا قُدمت لهم صدقًا، انقلبوا خصومًا. يريدون نصيحة تُدغدغ غرورهم، لا توقظ ضميرهم، ويريدون كلامًا يبرر أخطاءهم، لا يضعهم أمام مسؤولياتهم..

والحكمة القاسية:
لا تضيع وقتك في إصلاح من يرى الإصلاح إهانة،
ولا تهدر وعيك على من جعل من جهله عقيدة.
فالنصيحة عند ضعاف العقول .. إسقاط لا إرشاد .