|

حين تُنتهك حرمة الموت وتغيب إنسانية الخطاب

الكاتب : الحدث 2026-01-15 07:45:39

 

بقلم/ محمد العتيّق 
يستوقف المتابع اليوم نماذج من الخطاب الصادم الذي تجاوز حدود الرأي إلى مساحات قاسية من التجرد الأخلاقي، خطاب لا يحمل معنى ولا رسالة، بقدر ما يكشف خللًا عميقًا في الوعي، واضطرابًا واضحًا في ميزان القيم، حين يُقابل الألم بالسخرية، والموت بالتشفي، والمصاب بالاستهانة.
إن الاستنكار الحقيقي لا ينطلق من اختلاف المواقف أو التباين في الآراء، وإنما من هذا الانحدار المؤلم في التعاطي مع أقدار الله، فالموت ليس ساحة للشماتة، ولا مسرحًا للتندر، ولا وسيلة لتصفية الحسابات، مهما بلغ الخلاف أو اشتد العداء. الموت له هيبته، وله رهبة تسكن القلوب السليمة، وتفرض على الإنسان وقفة صمت قبل أن تفرض عليه كلمات.
لقد جاءت القيم الإسلامية واضحة في هذا الباب، تؤكد أن المرور بجنازة يستوجب الوقوف، احترامًا لعظمة هذا المصير الذي ينتظر كل حي، بغض النظر عن الاسم أو الانتماء أو الموقف.
 فكيف يُستباح هذا المعنى، ويُستهان به، ويُقابل بالاستخفاف والسخرية، من مسلم لم يظلمك، ولم يتسلط عليك، ولم يأكل لك حقًا، ولم يُسئ إليك قولًا أو فعلًا؟
إن هذا النوع من الخطاب لا يصدر عن إنسان سوي، ولا عن عقل متزن، ولا عن قلب حيّ يعرف معنى الرحمة، ويقدّر أن الناس تُبتلى، وأن الدنيا دول، وأن الأقدار لا تستأذن أحدًا. هو خطاب يكشف قسوة داخلية، وفراغًا أخلاقيًا، وسوادًا في القلب، أكثر مما يكشف موقفًا أو رأيًا.
الأخطر من ذلك أن يتحدث صاحبه وكأنه فوق القدر، أو بمنأى عن الابتلاء، متناسيًا أن ما جرى لغيره قد يجري له، وأن من يتطاول على مصائب الناس قد يُختبر يومًا بصمت الآخرين أو ببرود مشاعرهم، حين يكون هو في أمسّ الحاجة للرحمة.
إن الاستهانة بالموت ليست شجاعة، والتشفي ليس قوة، والسخرية من الفواجع ليست رأيًا جريئًا، بل سقوط أخلاقي صريح، ودليل على خلل في التربية والوعي والضمير. فالقيم تُقاس في لحظات الشدة، والإنسان يُعرف عند المواقف الصعبة، لا عند التنظير أو الاستعراض.
وأمام هذه النماذج، لا يملك الإنسان إلا أن يحمد الله على نعمة سلامة القلب، وحسن الخلق، ومخافة الله في السر والعلن، فهذه نعم عظيمة إذا سُلبت من الإنسان، بقي جسدًا بلا روح، ولسانًا بلا قيمة، وحديثًا بلا وزن.