وهل في الخليج غير طلال؟
بقلم خليل القريبي
مستشار إعلامي
وقعت في يدي قصاصة صحفية كتبها الصحفي عبد المجيد الزهراني، عنوانها: هل في الخليج غير طلال؟ سؤال ارتبط بإجابة شهيرة قالها موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، حين وُجِّه إليه سؤال صحفي عن فناني الخليج العربي، فجاء ردُّه مكثفًا، عميقاً، وكأنه يختصر مشهدًا فنيًا كاملًا في عبارة واحدة، ذلك الجواب حمل أيضاً اعترافًا صريحًا بقيمة تجربة، وبحضور صوت استطاع أن يعبر الجغرافيا، ويصل إلى وجدان عربي واسع. وما ورد في النشرة النقدية المشار إليها ينسجم مع قناعة راسخة لديّ، فطلال مداح، رحمه الله، قُدِّم بكونه علامة على مرحلة فنية متكاملة، وصوتًا ارتبط بالصدق، وبأغنية خرجت من الحنجرة الذهبية إلى الناس دون تصنُّع، والإشارة في ذات النشرة، إلى تلحين موسيقار الأجيال له جاءت باعتبارها شهادة عربية على قيمة الأغنية السعودية والخليجية حين تُقدَّم بعمقها الحقيقي، وحين تعبِّر عن روح المكان بثقة وهدوء.
الطرح في النشرة النقدية اتجه نحو قضية أوسع، تتعلق بالتوثيق، وبحفظ الأرشيف الفني، وبضعف الاهتمام بالمسارات التي صنعت الأغنية السعودية والخليجية الحقيقية في مراحلها المبكرة، هذا التوصيف يعكس قراءة دقيقة لواقع ثقافي عاش فترات طويلة دون مشروع متكامل يحفظ الذاكرة، ويعيد تقديمها بصورة متوازنة تعزِّز التاريخ والسياق. وما تضمَّنته النشرة النقدية يؤكد أن القضية تتصل بغياب القراءة الفنية الشاملة، ويوصف ضعف البرامج التي تتناول مسيرة العبقري طلال من زاوية معرفية، فالطرح جاء مباشرًا، خاليًا من البحث عن المديح، ومركّزًا على الأرشيف الغائب، وعلى حضور صوت الأرض في الذاكرة الإعلامية باعتباره جزءًا من وجدان فني عربي أوسع، وهو ما عبَّر عنه كاتب النشرة النقدية بقوله: "نحن هنا لا نبحث عن مقولات ومدائح قيلت في حق طلال مداح، فالأرشيف الإعلامي الطلالي لا تسعه مكتبات، ولكنني أتساءل: أين فضاؤنا العربي الفني من درر طلال الفنية، وأين هو من طلال الفنان، وطلال التاريخ؟ عشرات الفضائيات الفنية لا شأن لها إلا ضخ كميات من الصراخ والصداع الفني لأصوات لا تألفها أذن، ولا ينبض لها قلب، وطلال كأنه ليس في الذاكرة! أين أرشيف طلال الضخم من هذه الفضائيات، وأين البرامج التي تتناول مسيرته الأسطورية، ولو من باب رد الجميل لواحد من عمالقة الفن العربي الذين صنعوا الوجدان الجمالي داخلنا، بشكل لا نظير له؟ أعلم أن كل هذا المقال، أسئلة لا إجابة لها".
القصاصة، بعد كل هذه السنوات، تظل شهادة مكتوبة بصدق، وتذكيرًا بأن الفن الحقيقي يحتاج إلى من يحفظ تاريخه، ويقدِّمه بوعي، ويمنحه المساحة التي تليق به بعيدًا عن الضجيج. طلال مداح يبقى علامة مضيئة في مسار الأغنية السعودية والخليجية، ودليلًا على قدرته، رحمه الله، على إنتاج تجارب عميقة، تستحق أن تُروى، وتُوثّق، وتبقى حاضرة في الذاكرة الثقافية المحلية والخليجية والعربية على حد سواء.