قرارك اليوم… حسابك غدًا
بقلم / محمد العتيّق
في كل موقع يُمنح فيه الإنسان سلطة أو صلاحية، يوجد اختبار خفيّ لا يُرى في اللوائح ولا يُكتب في الأنظمة، اسمه العدل. فالقرار الذي يخرج من مكتب مسؤول، أو يُوقَّع في جهة ما، أو يُنفَّذ باسم النظام، قد يمرّ عابرًا في الدنيا، لكنه لا يمرّ عابرًا في ميزان السماء.
الصلاحية ليست امتيازًا مطلقًا، بل أمانة ثقيلة، والمنصب ليس حصانة أخلاقية، بل مسؤولية مضاعفة. كثيرون يظنون أن النفوذ يمنحهم مساحة آمنة لفعل ما يشاؤون، وأن الصمت الذي يقابل قراراتهم يعني الرضا، بينما هو في أحيان كثيرة عجزٌ مقهور، أو انتظارٌ لعدل لا يأتي من البشر.
ما الجدوى من قرار ظالم؟ سؤال يجب أن يُطرح بصدق قبل كل توقيع. ماذا سيكسب صاحب القرار حين يؤذي إنسانًا، أو يكسر خاطر موظف، أو يقطع رزق أسرة، أو يستخدم صلاحياته لتصفية حسابات شخصية؟ هل سيطيل ذلك عمر المنصب؟ هل يمنحه خلودًا؟ أم أن الكرسي، مهما طال المقام عليه، زائل، ويبقى الأثر شاهدًا؟
الأخطر من الظلم هو الاغترار بحلم الله. فالإمهال ليس رضا، والصبر الإلهي ليس غفلة. الله يعطي الفرص، ويفتح أبواب المراجعة والتوبة، لكنه لا يترك الظلم دون حساب. بل قد يُعجِّل العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، فيُؤخذ الإنسان على حين غفلة، وحينها لا ينفع ندم، ولا يجدي طلب صفح، ولا تُعيد الأعذار ما فات، ولا يشفع المنصب ولا النفوذ.
وحين تتحول الضغينة، أو الحسد، أو الكراهية غير المبررة، إلى دوافع للقرار، يصبح الإجراء الإداري مظلمة مكتوبة، لا تمحوها الأختام ولا تبررها الأنظمة. الطغيان لا يبدأ بالصوت العالي، بل يبدأ حين يعتقد صاحب القرار أن لا أحد يراجعه، وأن لا أحد يردعه.
وينتهي ذلك الوهم حين يقف الإنسان وحده، بلا منصب ولا لقب ولا صلاحية، أمام سؤال واحد: ماذا فعلت حين قدرت؟ وبأي عدل حكمت؟ وبأي نية قررت؟ هناك، تسقط كل المبررات، ولا يبقى إلا العمل.
المظلوم قد لا يملك قوة الرد، ولا مساحة الاعتراض، لكنه يملك سلاحًا لا يُهزم: الدعاء. ودعوة المظلوم، كما هو معلوم، لا تُرد، تُرفع في الليل والنهار، وتصل ولو بعد حين. وقد يكون أثرها عاجلًا في الدنيا قبل الآخرة، ليكون عبرة قبل أن يكون عقوبة.
لذلك، فإن مراجعة القرارات ليست ضعفًا، وردّ المظالم ليس هزيمة، والعدل لا يُنقص الهيبة، بل يرفعها. أما الاستقواء بالصلاحيات، فزائل بزوالها، ويبقى ما قُدِّم في صحائف الأعمال.
لا تغترّ بالكرسي، ولا تطمئن للنفوذ، ولا تختبر حلم الله بظلم عباده. فالقرار الذي تُوقّعه اليوم قد يكون سبب نجاتك إن عدلت، أو بداية حسابك إن ظلمت. ويومها سيجد كل إنسان ما عمل حاضرًا، ولن يظلم ربك أحدًا.