"محافظةالمذنب".. قلعة الوفاء في مسيرة التأسيس السعودية
بقلم ـ محمد العتيّق
إطلالة تمهيدية:"إن ما تضمه هذه السطور لا يعدو كونه نبذةً مقتضبة وإضاءةً سريعة على سجل محافظة المذنب الحافل؛ فهذه الأرض الضاربة في جذور الزمن، والزاهرة ببطولات رجالها ومواقفهم الوطنية، تمثل سفرًا ضخمًا من الأمجاد التي لا تستوعبها المقالات العابرة، وما نقدمه هنا هو قبسٌ من فيض تاريخها العريق."
في قلب نجد النابض، وحيث تتعانق رمال النفود بظلال النخيل، تقف محافظة "المذنب" شاهدةً على قصة مجدٍ لا تنتهي. لم تكن المذنب يومًا مجرد إحداثيات جغرافية على الخارطة، بل كانت وما زالت "مصنعًا للرجال" ومدرسةً في الولاء، صاغت بوفاء أبنائها فصولاً مضيئة في تاريخ بناء الدولة السعودية الحديثة منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- وصولاً إلى عهد النهضة والتمكين.
سواعد البناء وبوصلة الوفاءلقد تميز إنسان المذنب عبر التاريخ بسمات العقل الراجح والارتباط الوثيق بتراب هذا الوطن، مما جعل رجالاتها محل ثقة ولاة الأمر في كل العصور. فمنهم من ساس الأمور وزيرًا وسفيرًا ، ومنهم من قاد المؤسسات العسكرية والمدنية بكل نزاهة واقتدار. ولم يقف عطاؤهم عند الإدارة فحسب، بل كانت المذنب منارةً للعلم والقضاء، خرّجت كتاتيبها ومدارسها القديمة علماء وقضاة أرسوا قواعد العدل في أنحاء المملكة.
ولا يمكن استحضار تاريخ المذنب دون الوقوف إجلالاً لرواد "العقيلات" من أبنائها، الذين كانوا سفراء للتجارة والقيم النجدية في الشام والعراق ومصر، فبنوْا جسورًا اقتصادية عززت من مكانة منطقتهم، وأثبتوا في كل محفل أن النجدي يحمل وطنه في قلبه أينما حل وارتحل.
عبقرية المكان: "البوابة الجنوبية " تتربع المذنب في موقع استراتيجي فريد يمنحها لقب "البوابة الجنوبية" لمنطقة القصيم بامتياز. يحيط بها شموخ بريدة وعنيزة شمالاً، وتتصل بوشم الرياض جنوبًا ، بينما يحدها شرقًا مركز "أم حزم" ونطاق الغاط، وتنبسط مزارعها غربًا نحو البدائع والمراعي المفتوحة. هذا الموقع لم يمنحها ثقلاً إداريًا فحسب، بل جعلها حلقة وصل حيوية وشريانًا يربط بين أقاليم نجد التاريخية.
تراثٌ يحكي وجمالٌ يبهر تتجلّى عراقة المذنب في "سوق المجلس" التراثي، الذي يمثل قلبها النابض وحارس هويتها العمرانية التي توجت بجوائز عالمية. وبالقرب منه تقف "دار باهلة للتراث" كصرحٍ يحفظ ذاكرة الإنسان والمكان عبر آلاف القطع النادرة.
أما الطبيعة في المذنب، فلها لغةٌ أخرى؛ حيث يبرز "منتزه المانعية البري" كأيقونة للسياحة الصحراوية في الخليج العربي، بينما تتوارى "واحات نفود صعافيق" في قلب الرمال الذهبية لتشكل لوحة ربانية تمزج بين شموخ النخيل ونقاء الكثبان. وللباحثين عن الإطلالة الشاملة، يقف "جبل خرطم" بمنتزهه الشهير ليمنح الزائر مشهدًا بانوراميًا يعانق فيه السحابُ واحات النخيل.
سخاء الأرض .. سلة الغذاء وختاماً، تظل المذنب هي "سلة غذاء" القصيم وجنوبه؛ أرضٌ كريمة تجود بأجود أنواع التمور كـ "السكري" و"الخلاص"، ترويها أوديةٌ عريقة استوطنت التاريخ قبل أن تستوطن الجغرافيا. إنها منظومةٌ متكاملة من العمل والنقاء والإنتاج، جعلت من المذنب علامةً فارقة في مسيرة الوطن، وفخرًا لكل منتمٍ لهذه الأرض الكريمة.