|

لكي تحترم ذاتك ويحترمك الآخرون، كن متواضعًا

الكاتب : الحدث 2026-01-03 09:25:58

بقلم ــ  محمد آل درمة

كان الخليفة عمر بن عبدالعزيز -رحمه الله- يكتب ذات ليلة شيئًا ما، وعنده ضيف، فكاد السراج ينطفئ، فقال الضيف: هل أقوم إلى المصباح فأصلحه؟ فقال له عمر: لا، ليس من الكرم استخدام الضيف، فقال الضيف: هل أنبه الغلام؟ قال عمر: لا، هي أول نومة نامها، فقام عمر ووضع زيتًا في المصباح، فقال الضيف: كيف قمت بنفسك يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: "ذهبت وأنا عمر، وعدت وأنا عمر".

تواضع قليلًا ولا تختال بمنصب أو مال أو شهادة، فما وصلت له اليوم سبقك الملايين إليه، وما تعتقد أنه قمة الإنجاز والطموح تعفف عنه الملايين، وما تراه أنت هدفًا وغاية، غيرك له أهداف وغايات، وإن نجحت في مجال أو فرع في الحياة كما تعتقد أنت فقط، فغيرك أيضًا نجح وتفوق وسبقك في فروع ومجالات أخرى.

وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله، وقد أوجز وأبلغ الشاعر خالد بن علي أبا الخيل حيث لامس مشاعرنا حين قال:
إذا شئت أن تزداد قدرًا ورفعةً
فلن وتواضع واترك الكبر والعجبا

تحمّل نتيجة أفعالك دائمًا، فإذا أخطأت لا تتوارى خلف أعذار واهية أو إنكار لما فعلته، فهذه صفات الجبناء، ولكن تحمل نتيجة أخطائك وتعلّم منها، فليس من بني البشر من هو كامل أو معصوم من الخطأ.

ومن يجد في نفسه القوة والثقة فيجب أن يعترف بذنبه ، ويتحمل عواقب أمره ، ويتعلّم من عثراته لتكون له درجات للارتقاء على سلم النجاح.

حب لأخيك ما تحب لنفسك، وحاول أن تبعد عن الأنانية والاحتكار لكل شيء جميل، وشارك هذا الشيء مع من تحب لتجني السعادة والحب.

ولا تشعر بالحسد تجاه شخص سبقك بالخير أو نجح قبلك، بل اتخذه قدوة لتكون أنت الناجح التالي، ولا تبغض أحدًا يحاول النجاح بعدك، بل مد يدك له بالعون، فالعالم لن يشقى بكثرة الناجحين، ولكنه بالتأكيد سينتهي بكثرة الفاشلين.

بعض الناس لديه مقدرة عجيبة في تكدير خاطر نفسه وجلب الهم والغم لنفسه، يجيد فن الخيالات الفاسدة لذهنه. فكم يصفو له من هذه الحياة إذا كان دائمًا يتذكر الماضي بآلامه ويتوقع حوادث المستقبل، وتمرضه كلمة مؤذية سمعها من حاسد، ويحقد على كثير ممن سلبوه حقه، ويغضب على زوجته ويثور على ابنه لمخالفتهم أمره، ويحزن على مالٍ سبق أن فقده، وخائف لأنّه يظن أن مرضًا ما سوف يصيبه، ويستمر في جمع هذه القائمة من المصائب والأحزان.

فيا من تريد السعادة والراحة، لا تقصر حياتك، فهي قصيرة أصلًا، عش في حدود يومك، ولا تبكِ على ما فات، وأترك المستقبل حتى يأتي، ولا تلقِ بالًا لكلام الحساد، وتوكل على الله سبحانه فهو حسبك وكفى همومًا وغمومًا وأحزانًا.

ومن أجمل قواعد النجاح ألا تنتظر المديح من الآخرين لكي تعرف قيمة نفسك، بل اعرف قيمة نفسك حتى لو لم يقدّرها الآخرون. أن تعرف قيمة ذاتك أمر في غاية الأهمية.

ولكي تواصل مشوار النجاح عليك أن تكون في أعلى مراحل تحقيق وتقدير الذات، لا جلد الذات، لأن ربط نجاحك بتقدير الآخرين يفقدك أحيانًا دافعية النجاح ومحفزات الإنجاز، لأنه يتوقف على ثناء وشكر الآخرين.

دومًا فكّر بغيرك وابتعد عن الأنانية، فتلك قيم إسلامية وأخلاق إنسانية تدعو إلى نقاء النفس والسريرة والشعور بالآخرين، والبعد عن الأنانية وتقديس الذات والأنا.

يقول تعالى: "فأسرّها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم". أحيانًا نكون مدركين لما يحدث حولنا من أخطاء وتجاوز، ولكن نتغاضى، فالتغاضي أجمل بكثير من المجادلة وأنت تعلم جيدًا بأن حقك محفوظ عند الله وعندك.

وأن الله سيعوضك خيرًا إذا كظمت غيظك، يقول تعالى: "والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين".

قال نجيب محفوظ: "لا تحزن على طيبتك وحسن ظنك بالآخرين، فإن لم يوجد في الأرض من يقدّرها ففي السماء من يباركها".

الطيبة وحسن الظن من قيم وأخلاق كبار النفوس، لها معايير وحدود في زمن تغيرت فيه المفاهيم والقيم، وأصبحت المصالح هي المحرك الحقيقي لإدارة العلاقات بين البشر.

والأصل أن يعيش المرء على مبدأ التصالح مع الذات ، والتعامل الحسن مع الآخرين، طمعًا في الأجر من الله. قال ﷺ: "اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن".