جفَّت الأقلام و رُفِعت الصحف ..

تابعوا الحدث على الحدث


بقلم🖋️نهاد فاروق قدسي 

تمر وتيرة حياتنا بالكثير من المراحل : منها مايبثُّ فينا السرور والأفراح ، ومنها مايكون مُحمَّلاً بالأسى والأتراح .. منها مايترك في حياتنا أثرًا وبصمة ، ومنها مايمرُّ مرور الكرام لا أثرٌ له يبقى ..  يمرُّ سدى بلا أي صدى .. 
ومابين هذا وذاك تروق لي مرحلة كثيرٌ مايسمُّونها بِـ "المرحلة الملكية" .. مرحلة النضج الذي قضيتُ فيه العمر شطرًا بعد شطر نضالاً وكفاحًا وصبرًا ومصابرةً .. مرحلة الامتنان الذي يملأني لكل من أُدينُ لهم بالوقفات الوفيَّة المخلصة وقت الشدائد .. مرحلة تقدير النعم والثناء على كل نعمةٍ منَّ الله بها علي .. مرحلة عدم الالتفات إلى الوراء وإعطاء المواقف قيمة أكبر من حجمها الذي لاتستحقه .. مرحلة الانشغال بالذات وعدم الاكتراث لتوافه الأمور .. مرحلة التخطي ؛ فالمحطات كثيرة وليس لديَّ الوقت لأن أطيل الوقوف عند كل محطةٍ ابتئسُ فيها وأندبُ حظي ، فحتمًا هناك محطات أروع وأجمل سنصادفها وبلا أدنى شك .. مرحلة الاعتناء بالنفس والعقل والجسد اعتناءً شامخًا باذخًا يليق بي وبقناعاتي .. مرحلة التجاهل لكل مايُقال خلفي ويعرقل خطواتي نحو الأمام ويستهلك قوايا بلا جدوى .. مرحلة الحفاظ على خصوصيتي وحدودي فأنا لست بكتابٍ مفتوحٍ متاحةٌ قراءاته من قبل الجميع ؛ لذا أرفض أن يتجاوز أحدٌ ما تلك الحدود "القدسية" بالنسبة لي طالما لم أتجاوزها أنا ..  أتلَّقى منك بقدر ماتسمح لي .. وأمنحكَ بقدر رغبتي واستطاعتي .. مرحلة الطمانينة بمعيَّة الله "كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ" ، وأنَّ الله هو الصاحب لي في كل مكان أذهب إليه وأي مكان أبقى فيه .. مرحلة حسن الظن بالله والتفاؤل بِـ "يَأْتِ بِهَا اللهُ" .. مرحلة التروّي والصبر على الإجابة بعد الدعاء ، وعدم التعجل بإظهار الكدر والقنوط من رحمته سبحانه وتعالى .. فقد يسوق إليَّ الله قدرًا بصبري واحتسابي ؛ ويغمرني بمداد البحر خيرًا ورزقًا " وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ " .. مرحلة القناعة والرضا عن نفسي وبما لديَّ وما أملك ومالا أملك .. لا أرهقُ فكري بالمقارنات ولا أمدُّ عينيَّ إلى مامتَّع الله بهِ غيري وإنما أقنع بما آتاني الله من فضله ؛ لأحظى بحياةٍ أكثر خفة ورحابة واتساعًا .. مرحلة السكينة والإيمان بالإحاطة الإلهية فقد استنفذتُ نصيبي من الخوف والقلق .. وحان الآن وقت الركون والسكون عن ضجيج الأفكار ومابين السطور وخلف الأسوار  .. مرحلة الاختلاء والبعد عن البشر فلابد لي من وقتٍ أمارس فيه طقوسي وسعاداتي وكل مايجلب لي الفرح دون اطلاع أحد .. مرحلة الانهماك في إصلاح عيوبي وسد ثغوري وترميم نفسي و السمو بعقلي وروحي .. مرحلة الاتزان والتَوازن في ردود أفعالي سواء في فرحي أو حزني؛ لأمضي في قضاء الله حبًا ورضًا وطواعية .. مرحلة الإدراك لمفهوم الخيرة فلا أخشى فوات فرصة ثمينة من حياتي ، ولايكدِّرني رحيل شخص من دائرة علاقاتي ، فلربما أعطاني الله فمنعني ، وربما منعني فأعطاني .. مرحلة العطاء أكثر من الأخذ ، فأنا مؤمنةٌ دومًا بأن "اليد العليا خير من اليد السفلى" .. و لو اقتربتَ مني شبرًا سأقتربَ منك ذراعًا .. وإن اقتربتَ مني باعًا .. سأشبعكَ حبًا ووصالاً .. مرحلة اختيار الأروح النقيَّة والقلوب الوفيَّة والمعادن الثمينة التي تبقى لي ذخرًا طوال العمر مزدحمةً بترف العيش .. مرحلة الاستسلام والتسليم لقضاء الله وقدره  "يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ" فعليه توكلت وإليه أنيب .. فليس هناك أجمل من التحرر والخروج من حولي وقوتي واللجوء إلى حول الله وقوته .. وهنا تكمن ذروة الإيمان الكامل وراحة الدنيا ونعيم الآخرة .. "وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا".. جفَّتْ الأقلام و رُفِعت الصحف .

انتقل إلى أعلى