فقه القوامة …

 

بقلم : عثمان الأهدل …

أن الفهم الخاطئ لبعض مقاصد الدين أدى إلى انحرافٍ فكريٍ وابتعادٍ عن مقاصده السامية، ومن تلك الانحرافات الفهم الخاطئ لمقاصده في القوامة، حتى وصل الحال باستخدامه معول هدمٍ وذريعةٍ لتأليب النسوة للخروج عن تشريعاته والتمرد لنسف كيان الأسرة "لبنة الأمة". وقد ظهرت في الإعلام ولا سيما في ساحات التواصل الاجتماعي وغيرها نتوءات و زوائد بشرية هدفها هدم القيم الأخلاقية والعقدية وتمزيق الكيان الأسري، متشدقة بكلمات مجتزأة عن سياق الآيات دون مراعاة عرض الصورة كاملةً، التي تعطي معنًا هادفًا وعادلًا لإعطاء صورة مخالفة وتشويهًا لرسالة الإسلام. 

ومن المواضيع الشائكة حقيقةً، مسألة ضرب المرأة وغيرها من المبررات، التي تدغدغ عواطف النساء. وهذه المسائل يمتطيها الجهلاء، رغم أن سيد المرسلين ﷺ لم يمد يدهُ على أيٍ من زوجاته قط، وليس هذا الخيارُ واجبٌ في الإسلام وليس محببًا ويتوقف ذلك على رجولة الشخص وإنسانيته ، فقد قال سيد الأنام ﷺ ؛ "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي".

ولا شك أن ديننا الإسلامي الحنيف أسس شريعةً إلهيةً لا تضاهيها جل شرائع البشر الوضعية، وما جاء منه سبحانه هو انصافٌ تجاوز حدود العدل والمساواة مقارنة بالفكر البشري القاصر. فوضعَ الميزان بالقسط، وصنف البشر كل حسب قدرته الجسدية ذكورًا وإناثًا ليكتمل استخلافنا للأرض، وكفل لكلٍ  منا ما يستحق دون اجحافٍ أو تجاوزٍ، بل أكد المولى على احترام هذه الحقوق دون طغيان أحد على أحد، بل أنه توعد من خالف ذلك بسوء العذاب، ومع ذلك يتجاهل الكثيرون، خلطوا مفهوم القوامة وجعلوه قانونًا ذكوريًا بحتًا وحجروا واسعًا في مسألته، حتى غدا أشبه بالرق.

وقد حدد الشيخ على الطنطاوي في إحدى حلقاته الرمضانية رحم الله واجبات الزوجة بأن لا تتجاوز عن كونها حفظ غيبة الزوج ومشاركته في تربية أولاده، ولا يشمل ذلك التنظيف ولا الطهو أبدًا. فالقوامة كما يريدها ديننا الحنيف، ليست زئيرًا وقوة شكيمة تُستخدم ضد الزوجة أو الأولاد. القوامة هي مسؤولية الرجل في القيام بواجباته تجاه أُسرته وعدم التقصير في حقوقها.

وقد تكون الأيديولوجية الفكرية لدى الشعوب العربية أن الرجل هو الأول وكلمته على المرأة نافذة هي المحرك الأصيل في زعزعة أساسات الأسرة، حتى وصل الأمر، أن بعض الآباء يأمرون أولادهم بتأديب أخواتهم إن أخطأن وكأنهن جواري أو خدم لا يحق لهنّ أن ينبسنَ ببنت شفة. قد يكون مفهوم القوامة مختلفًا من شعب إلى شعب آخر، ولكن لو سبرنا أغوار معتقداتهم لو جدناهم جميعًا يحملون نفس الأيديولوجية المشوه بدرجاتٍ متباينة.

فيتربى الولد منذ الصغر على احتقار الأنثى، وقد يعطيه ذلك ذريعةً أيضًا على عقوق من حملته في أحشائها وكابدت الأمرين، ورأينا الكثير من تلك القصص التي أساسًا منبعها الفهم الخاطئ للآباء الذي توارثوه عن الأجداد. وربما لم تكن في تلك الأيام قوانين يستند عليها النسوة، ولهذا الطلاق لم يكن ظاهرة متفشية كما هو الحال في وقتنا الحالي. وللأسف أن بعض مؤلفات المحسوبين على العلم غدت فريضةٌ واجبةٌ على المسلمين رغم ما تحملها من تناقضات في هذا الشأن وبعيدة بعد البَون عما بُعث بها سيد الأنام ﷺ، حتى ساهمت في خلق أجواء من التوترات والمشاحنات بين الجنسين. 

أما ظاهرة قتل النساء فعُد ولا حرج، هي أيديولوجية همجية تتعدى حدود الإنسانية منتشرة وبكثافة في مجتمعنا العربي، وقد يغض الطرف عنها بعض المسؤولين، الذين يحملون الفكر القاصر لفهم الدين، والقرآن تعاليمه واضحة في هذا الشأن ولم يأمر بالقتل بتاتًا، وقد أمر اللهُ سيد الأنام ﷺ أن يبلغ رسالته كما هي دون نقصان أو زيادة، فاختلقوا من يريدون تشويه ديننا الحنيف أحكام لا تمت بكتاب الله بصلة لا من قريب ولا من بعيد، ولا أريد أن أخوض في ذلك حتى لا أفتح عليَّ بابًا للنقد، يكفيني أن أشير لذلك، واللبيب تكفيه الاشارة. 

وليس كل من حمل شهادات أو كرس حياته في فهم الدين يصل إلى حقيقته، إلّا إذا تحرر من قيود الفكر المحيط القاصر الذي يشوبه العادات والتقاليد الدخيلة على الدين، وقد ذكر الشيخ الألباني أن الضعف في فهم لغة القرآن جعل الناس يفهمون كلام الله على الغير الذي أراد الله لهم أن يفهموه. فبعض الآيات يتم تأويلها عن غير مقاصدها لكي تتوافق مع بعض الأحاديث، وكأن الأحاديث هي من تصوغ مقاصد القرآن والعياذ بالله.

وهذا الخلط هو سببٌ رئيسٌ في زيادة هوة الطلاق حتى وصلت نسبته إلى أرقامٍ مفزعةٍ ما يزيد عن ٩٥٪؜ من نسبة الزيجات السنوية حسب تصريحات وزارة العدل، ولا سيما بعد أن رُفع اللطام عن قوانين كادت تندثر تحت ركام الزمن لصالح النساء تحررهنّ من بعض القيود التي كانت في الأساس لا تمت للإسلام بصلة، زادت تلك الهوة أكثر مما كانت عليه، وقد يحدث ذلك كردت فِعل من تراكمات مناهضة بقيت في بواطن الشعور اللاوعي لدى النساء، وضعف الوازع الديني كان له الأثر الأكبر من تحريك تلك البِرك الساكنة، ولاسيما عندما يكون الدين هو المقياس الأخير عند اختيار الزوجين لبعضهما، وقد لا يؤخذ به في غالب الأحيان.

ما نحتاجه الآن لردم تلك المعضلة هو مراجعة حيادية، يتم فيها إعادة رسالة الإسلام كما أُنزلت إلى من بُعث رحمةً للبشرية أجمعين، ونبذ كل ما عُلق بها من فقه الفلسفة البشرية، وتحديدًا ما يترتب على الزوجين من مسؤوليات وفق نهج القرآن أولًا، والأحاديث ثانيًا على أن تتوافق مع كلام الله دون زيادة ولا نقصان. والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

انتقل إلى أعلى