الأديان والسينما

 

كان الحديث عن الأديان في السينما العالمية والعربية محظوراً إلى وقت قريب من حيث حساسية الطرح وطريقة العرض التي تسببت في أَزمات في الشارع دفع ثمنها الكُتّاب والمُخرجين في بعض الدول وتسببت في مواجهات عنيفة جداً بين المتشددين والقائمين على العمل السينمائي ومطالبات لمنع العرض أو الحجب الكامل للعمل ، وهذا ليس غالبًا وإنما نوع معين من الطرح لقضية دينية أو معتقد سائد بطريقة ساخرة مستهجنة أو عنيفة مبالغٌ فيها بحيث يتجه الكاتب أو المنتج أو المخرج إلى إثارة القضية بشكل غير متزن وطرح فني متهكم لحل القضية كما يزعم وهذه تعتبر ثقافة في أُسلوب الطرح ومواجهة القضية من دون إثارة الأطراف المعنية بين مؤيد لها ومعارض فتكمن أبعاد القصة في فلسفة طرح القضية بالنسبة للكاتب ومن ثم الأسلوب الفني للمخرج في عرضها على المشاهد في الحدود الآمنة ، المعالجة الفنية والأدبية لأي عمل سينمائي يجب أن تكون تحت معايير معينة واستعراض مركزية الفكرة في حدود تقبل الطرح ومعالجته بطريقة حقيقية خارجة عن الاستهجان السمج أو العنف المبالغ فيه والمخالف للحقيقة من مفهوم الفكرة الواقعية إلى معالجة درامية إجتماعية تحتاج إلى طرح موضوعي جاد يتقبله الأغلب في توازن فكري وفني متزاوج بشكل كبير ويمتص الصدام المتوقع بين الشد واللين وبين العاطفة والعقل .
الحديث عن الأديان بقي محظوراً لأعوام وفي أكثر المجتمعات تحضراً وانفتاحاً بل كان يعد جريمة يعاقب عليها القانون إذا أصبح رأي عام في الصحف المحلية أو العالمية أو رأي الشارع ، حتى قرر صناع الأفلام كسر هذا الحظر بطرق مختلفة ومواجهات عنيفة في ظل مجتمعات تعد الأكثر انفتاحاً لتقبل مثل هذا النوع من الطرح ،فكانت النتائج إثارة الفوضى واستنفار الشارع مما أدى إلى البعض أن دفع حياته ثمن لأسلوب طرحه وطريقة معالجته للمشكلة ، سنطرح لكم بعض أهم تلك الأعمال التي أثارة الجدل في فلسفة الطرح وطرق المعالجة الدينية أو الأدبية من منظور الكاتب أو المخرج.

أولاً: فلم (بحب السيما) في 2004 الفلم المصري الذي عرض قضية الإيمان بسبب الخوف لا من أجل التدين في قالب إجتماعي أُسَري وكذلك من ناحية التعصب الديني مما تسبب في رفع دعوى قضائية ضد صُنَّاعِه من الطائفة المسلمة والطائفة المسيحية.
ثانيا فلم (THE PASSION OF THE CHRIST) في 2004 الفلم الأمريكي الذي عبر فيه الكاتب عن معاناة المسيح في الساعات الأخيرة من حياته بأسلوب أثار الجمهور من الديانة المسيحية مما تسبب في شن حملات لمقاطعته وكذلك اعتبره اليهود مسيئاً لهم ومعادي للسامية.
ثالثا فلم (SUBMISSION) في 2004 الفلم الهولندي القصير مدته عشر دقائق فقط تعرض فيه إلى قضية نساء مسلمات تعرضن فيه للاضطهاد من الذكور أثار الشارع العام مما تسبب في اغتيال المخرج وتعرضت الكاتبة لتهديدات بالقتل.
رابعًا فلم (WATER) في 2005 الفلم الهندي الذي طرح فكرة حياة الأرامل التي تتحكم فيها التقاليد الاجتماعية والتعاليم الدينية مما تسبب في إثارة الشارع الهندي ومحاولة الضغط على الحكومة لمنع عرضه في احتجاجات واسعة أدت إلى حرق موقع التصوير وتدميره.
خامسا فلم (THE DAVINCI CODE) في 2006 الفلم الأمريكي الذي وضع تفسيرات حساسة حول تاريخ المسيحية بشكل أثار الكنيسة الكاثوليكية وطالبت منع عرض الفلم.
سادسا فلم (GOD ON TRIAL) في 2008 الفلم الأمريكي الذي يعرض قضية اليهود في معسكرات النازية لمحاكمة الدين مما تسبب في إثارة الجدل بين المعارضة الشرسة وبين التأييد في حملة الإساءة للدين والتعرض إلى اليهودية.
سابعًا فلم (THE SUNSET LIMITED) في 2011 الفلم الأمريكي الذي عرض قضية الإيمان وعدمه وكيفية تأثير الإيمان في الحياة في مطارحات درامية بين مؤمن وملحد مما تسبب في اتهام الفلم بالإنحياز إلى الملحدين في تمرير بعض الأفكار والتساؤلات التي يطرحها الملحدين وتناقضهم في الواقع بين الانتقائية والتكذيب فيما رأى البعض أنها دعوة للإيمان بالعقل.
ثامنًا فلم (INNOCENCE OF MUSLIMS) في 2012 الفلم الأمريكي الذي تعرض بشكل مباشر إلى الدين الإسلامي مما أثار غضب المسلمين في أوروبا وموجة من الاحتجاجات الواسعة في إيقاف عرض الفلم ووصفه باراك أوباما أنه إساءة لأمريكا قبل الإسلام وقالت عنه هيلاري كلينتون إنه مقزز مما تسبب في اغتيال 4 دبلوماسيين أمريكيين في ليبيا.
تاسعًا فلم (PK) في 2014 الفلم الهندي الذي طرح قضية استغلال الأديان ورجالات الدين في السيطرة على المجتمعات من خلال طرح تساؤلات ذهنية بسيطة واتهامهم باستغلال الناس لكسب مصالح شخصية مما أثار خلافات دينية واسعة في الهند ومنع من العرض فيها بحجة إثارة الشكوك حول الأديان.
وأخيرًا فلم (مولانا) في 2016 الفلم المصري الذي تناول الإسلام السياسي وتعريته للجمهور بأسلوب أثار تهكم الشارع المصري بين المعارضة الشديدة وبين حرية التعبير تَعرَّض فيه إلى الدعاة الإسلاميين الذين فقدوا مصداقيتهم أمام المؤيدين ، ولحساسية العرض طالبت الجهات الرسمية في مصر بمنع عرضه بدعوى المساس لأئمة الدين الإسلامي.
 
المفهوم من هذا كله هو التوازن في الطرح الديني أو العقائدي بشكل لا يثير الشارع ولا يقع في صدامات دينية أو مذهبية وهذا يعتمد على مصداقية الكاتب في أسلوب المعالجة للقضية دون المساس المباشر أو الرمزيات التي تثير غضب الجمهور أو تهكمهم على الكاتب أو المخرج بشكل يوقع العمل في دائرة المعارضة الجماهيرية ووضع العمل في خانة الإساءة والتنقيص.
إلى كل كاتب ينوي طرح فكرة دينية أو معالجة قضية عقائدية يجب أن يتسم بالذكاء والواقعية كي لا يتعرض للهجوم من الصحافة أو الرأي العام في محاولة منه لطرح القضية بشكل يخالف الواقع السائد كقضية فردية لا تعمم على مجتمع بأكمله أو ديانة أو مذهب أو عقيدة.
الذكاء مطلب ولكن توخى الحذر في التعرض لتشويه الصورة الدينية إذا كانت لا تمت للواقع بصلة.

عارف البحراني
5\7\2022

انتقل إلى أعلى