ملأى السنابل ينحنين تواضعًا والفارغات رؤوسهن شوامخ

هل من الصحيح أنه لا يتواضع إلا الكبار ولا يصاب بالغرور إلا الصغار؟ سؤال محير جدًا ولكن من الحكمة أن لا يؤخذ على إطلاقه، والواجب بالإنسان أن يتحرى ويتبين قبل أن يبهت آخر بالغرور، ونصيحتي لكل حبيب وصديق حتى لا تبتلى بهذا المرض العضال عليك ألا تختال بمنصب أو مال أو شهادة فما وصلت له اليوم سبقك الملايين إليه، وما تعتقد أنه قمة الإنجاز والطموح تعفف عنه الآخرون، وما تراه أنت هدف وغاية غيرك قد لا يراه كذلك، فكلٌ له أهدافه وغاياته، وإن نجحت في مجال أو فرع في الحياة كما تعتقد أنت فغيرك أيضا نجح وتفوق وسبقك في فروع ومجالات أخرى، يقول تعالى: "وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور"، وقال ﷺ: "في الحديث القدسي، قال الله تعالى: الكبرياء ردائي والعزّة إزاري، فمن نازعني في واحد منهما عذبته".

ومن الناس من يتكبر بعلمه ويحتقر غيره ويغضب إذا علمه أحد أو نصحه فيهلك نفسه ولا ينفعه علمه.
ومن الناس من يتكبر بحسبه ونسبه فيفتخر بمنزلة آبائه وأجداده ويرى الناس جميعًا أقل منزلةً منه فيكتسب بذلك الذل والهوان من الله، ومن الناس من يتكبر بمنصب فيعجب بقوته ويغتر بها ويعتدي ويظلم فيكون في ذلك هلاكه ووباله، ومن الناس من يتكبر بكثرة ماله فيبذر ويسرف ويتعالى على الناس فيكتسب بذلك الإثم من الله ولا ينفعه ماله، فحب لأخيك ما تحب لنفسك ياصديقي وحاول أن تبعد عن الأنانية والاحتكار لكل شيء جميل، ولا تشعر بالحسد تجاه شخص سبقك بالخير أو نجح قبلك، بل اتخذه قدوة لتكون أنت الناجح التالي مباشرة، ولا تبغض أحدًا يحاول النجاح بعدك بل مد يدك له بالعون، فالعالم لن يشقى بكثرة الناجحين ولكنه بالتأكيد سينتهي بكثرة الفاشلين، وقد حذّرنا النبي ﷺ من الكبر وأمرنا بالابتعاد عنه حتى لا نُحرم من الجنة فقال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر".

والتواضع ينطلق من حقيقة أنك لست أفضل من أحد، حيث يقول سيد الخلق ﷺ: "إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد".

كان الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله يكتب ذات ليلة شيئًا ما وعنده ضيف، فكاد السراج ينطفئ فقال الضيف: هل أقوم إلى المصباح فأصلحه؟ فقال له عمر: لا ليس من الكرم استخدام الضيف، فقال الضيف: هل أنبه الغلام؟ قال عمر: لا هي أول نومة نامها، فقام عمر ووضع زيت في المصباح، فقال الضيف: كيف قمت بنفسك يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: "ذهبت وأنا عمر وعدت وأنا عمر"، يقول تعالى: "فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور"، وقال ﷺ: "واعلم أنه ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله".

يقول الشاعر:
تواضع تكن كالنجم لاح لناظرٍ
على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تكن كالدخان يرفع نفسه
إلى طبقات الجو وهو وضيع

المستشار والكاتب:
محمد بن سعيد آل درمة
@mohammedaldermh

انتقل إلى أعلى