رفيق علي أحمد والمسرح.

كتب رفيق علي أحمد خطاب في يوم المسرح في جمعية الثقافة والفنون بالدمام وألقاه الأستاذ راشد الورثان ، لامس الخطاب أوجاعنا ووضع يده على جروحنا وكتب ما في صدورنا حين قال في الإفتتاحية للمسرح العربي ( اليوم وأكثر من أي وقت مضى تبدو الحاجة ماسة إلى المسرح ) فقد كتب الأستاذ رفيق خطابًا أشبه بالصرخة عند الألم ، فالمسرح يموج وينازع في وقت يستفيض الفن في مجالاته العديدة بالحياة والازدهار وقال السيد رفيق ( ففي زمن التواصل اللا إنساني يغدو المسرح مكان اللقاء الإنساني ) بهذه الجملة العميقة في المعنى والمخزون الفكري والثقافي نقول أن المسرح اليوم يبدو مهجورًا أو غريبًا أن صح لي التعبير مالم يعد إلى حالته السابقة نشط وعربي وثقافي ولوحة تعكس هموم المجتمع وتوجه رسالة سامية وهذا ما أشار إليه السيد رفيق في جملته ( عالمنا يتعرض إلى عملية تدمير ممنهجة من خلال فرض ثقافة وحيدة سائدة تحت شعار عولمة متوحشة ) في زمننا هذا نعاني كثيرًا من المسرح التجاري البحت الذي لا يترك أثرًا عند الجمهور ولا فائدة تذكر ولا رسالة موجهة ولا ثقافة مسرحية او فنية وأصبح الجمهور بالنسبة للمسرحيين الحاليين مستهدف في إفراغ جيوبهم فقط وإستنزاف الداعمين وعرض مادة أشبه بالمسرح المدرسي المتواضع وإن صح لي ذلك إلا أني أرى المسرح المدرسي أفضل بكثير مما يعرض في وقتنا الحالي .

ثم إستطرد السيد رفيق في ( دمج المسرح والتأثير العسكري والاقتصادي والسياسي في منهجية المسرح وعولمته وانفتاح العالم على بعضه البعض وتفاعل البشرية في ما بينهم وتلاقح الثقافات والأفكار ) حيث أصبح المسرح اليوم يخضع إلى ضغوطات لتحويله إلى عالم غريب لم نعهده إلى تمرير أفكار ورسائل غريبة على حساب هدف المسرح السامي من حيث الفكرة  والمضمون ، وهذا ما نلاحظه في المسرح الحالي من مادة مسرحية غريبة ناهيك عن تدني المحتوى والفكرة والمضمون وإن اشتعل فيها جانب أخفقت في جوانب عدة ، ولإحقاق الحق شاهدت مسرحية في جمعية الثقافة والفنون بالدمام وكذلك في مركز التأهيل الشامل بالأحساء كانت صدمة كبيرة بالنسبة لي فقد رأيت شريط حياة المسرح في أوجّه من بداية الألفية الثانية وكيف كان المسرح يحضى بجماهيرية ومضمون ورسالة وأداء ،والمجهود فيها واضح وجلي وبين المسرح اليوم ومحاولة إقحام من ليس له ناقة ولا جمل في المسرح كأمثال مشاهير برامج التواصل الإجتماعي  بدون تدريب مسبق ، والمجهود ضعيف والحوارات أيضًا ضعيفة والفكرة مستهلكة والرسالة مباشرة وواضحة وصراخ وتحدث مع الجمهور بدون أي سبب ملح ونسيان للحوارات وأخطاء في الصوت والإضاءة وكذلك الحركة على المسرح وتداخل بين الممثلين … الخ ، كل هذا يخلق فجوة بين المسرح والجمهور إذا كانت العروض بهذا المستوى فإنه سيعزف عن المسرح ويتركه لمن لا يعرف قيمته .

إسترسل السيد رفيق في قوله ( نجدد رهاننا على المسرح ودوره ومعناه ونحن ندرك أن المسرح في العالم كله يعيش أزمة حادة ) ففي خضم الأعمال المسرحية الخاوية والتجارية نجد هناك في الزاوية البعيدة من يعمل على الحفاظ على الهوية المسرحية وخشبة المسرح التى تخرج منها عمالقة الفن ، هناك شخص يجب أن نثني عليه حقيقة هو الأستاذ راشد الورثان المعلم والأب الروحي وصمام الأمان للمسرح فهو فنان بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وذو حس فني عالي وهو قدوة لكثير من الفنانين الذين تخرجوا من بين ذراعية واعتلوا النجومية ، ففي انفاسه حسرة حينما قرأ خطاب السيد رفيق وعند بعض الجمل يتنهد وكأنه يضع ألمه مع ألمنا مما يعانيه المسرح العربي من جفاء وإستغلال وتشويه لله درك يا أستاذي كنا وما زلنا نتفق معك قلبا وقالبا في مسرحنا الجريح . 

وإستعاد السيد رفيق ذكرياته قبل أربعين عاما في دمشق حيث قال ( أسمح لنفسي ان أستعيد التوصيات التي صدرت منذ أكثر من أربعين عاما من أول مهرجان مسرحي شاركت فيه في دمشق ) حيث ذكر التوصيات التي تشدد على العمل المسرحي العربي وتطويره على صعيدي الشكل والمضمون مؤكدة على وجوب البحث عن السبل والأساليب لتمتين العلاقة بين العمل المسرحي والجمهور ، من الناحية البروتوكولية المعهودة في التواصل بين الطرفين وابقاء الهيئة المسرحية محافظة على بقاء التواصل بينهما في الشروط والإرتكازات المعنوية والفكرية والأدبية كون إن الجمهور هو المستهدف حقيقة في المسرح العربي العام وليس المسرح النخبوي ، وذكر الأستاذ رفيق ( ومن يومها وحتى الآن لا شيء تغير والأزمة نفسها، النقاشات نفسها ، التوصيات نفسها،وواقع الحال نفسه) في محاولة لوضع اليد على السبب في تلميحاته وفي ذكر كلمة توصيات مقرونة بالأزمة في حديث لا يخلو من الألم .

وأشار السيد رفيق الى عزوف الجمهور عن المسرح وذكر بعض الأسباب في محاولة لوصف العلاج لهذه الأزمة في قوله ( أسباب كثيرة أدت الى إبتعاد الناس عن المسرح ،منها ما يتعلق بالواقع العام ، ومنها ما يخص أهل المسرح وصناعه، ومن أهم الأسباب التغريب ) في إشارة منه الى أن الجمهور لا يرى واقعه في الأعمال ولا يرون أنفسهم ايضا كأحد أسباب العزوف ، ناهيك عن تغريب المسرح العربي طمعًا في العالمية والجوائز أوقعت المسرح في تيه بين الواقع المدفون وبين التغريب المرفوض وطمس الهوية العربية للمسرح العربي وإلصاق العمل في نطاق الحداثة والعنصرية وأشار السيد رفيق ايضا الى أن الكثير من المهرجانات المسرحية العربية تساهم في تشجيع هذه الظاهرة وإستهداف المسارح النخبوية وترك الهدف السامي والأساسي وهو الجمهور الذي وجد من أجله المسرح ، وأشار في ذلك الى المسرحيين الذين يدعمون المقولة ( إن الجمهور ضد المسرح والمسرح ضد الجمهور ) وهذا ما يدعم قولنا أن المسرح لم يعد كما كان وكما أحبه الجمهور .

كما إستطرد السيد رفيق في كتابته حول المسرح والمسرحين في قوله ( تأتي هجرة جيل كامل من المسرحيين الى الأعمال التلفزيونية بحثا عن فرصة عمل ومصدر رزق ، او جريًا وراء نجومية تائهة ) وكأن السيد رفيق هنا يضع أسباب لما هو عليه المسرح والمسرحيين في محاولة منه أن يضع يده على مكمن الخلل ويبرز الحل لما نواجهه نحن الجمهور من المسرح الحالي وتوجه صناع المسرح أو المسرحيين الى الشاشات الضيقة كمصدر رزق وهذا أيضا دعم لفكرة ترك الجمهور للمسرح العربي وضعف الحضور والدعم .

كما ان الاستاذ رفيق أوصى بضرورة إرفاق المسرح في المناهج الدراسية وطرح التجاهل من قبل وزارات الثقافة في بلداننا العربية وعدم دعمها للأعمال المسرحية الجادة والمجددة بذريعة شح الميزانية ونقص الإمكانيات ومن هنا وجه الأستاذ في سطوره تلك الى ضرورة التركيز على التربية المسرحية وإرفاقها ليس كنشاط وإنما كمنهج تعليمي تربوي .

ومن هنا نختصر الخطاب كما ذكرنا أهم نقاطه في محاولة منا لإختصار ست ورقات من الجمل الجوهرية القاها المعلم الوفي الأستاذ راشد الورثان وكأنه خطاب رثاء للمسرح العربي في وقتنا الحالي وفي زمن العولمة والحداثة الزائفة ، شكرًا لك من القلب أستاذي رفيق علي أحمد موصولًا بالأستاذ راشد الورثان عراب المسرح والدرع الحصين .

بقلم عارف البحراني 

انتقل إلى أعلى