هل ستعود جزيرتنا مروجًا وأنهارًا قريبًا ؟

بقلم : عثمان الأهدل …

قيل في الأثر أن جزيرة العرب ستعود يومًا مروجًا وانهارًا كما كانت، فكان ذلك حلمٌ كنا نراهُ بعيدًا، ولكن قرار سمو ولي العهد بزرع عشرة مليارات شجرة في صحراء البلاد القاحلة أعطانا بثيثًا من الأمل لنحيا تلك المروج وقد يغدو وقعًا حقيقيًا وقد يصبح قريبًا، وكما أن لكل حدثٍ سببًا في هذه الدنيا، فإن هذا القرار قد يكون سببًا في عودة الصحراء مروجًا وانهارًا، إذ يقول سيد الانام ﷺ  : {لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا}.

قد يشكك البعض في نجاح هذا القرار لندرة المياه في صحراء الجزيرة وشح أمطارها، ولكن إذا عُرف السبب بطل العجب، و ربما لا يعلمون هؤلاء أن قرار زراعة تلك الكمية من الأشجار سبقته مشاريع حثيثةً لإعادة هيكلة موارد مياه السيول وتجميعها في سدود عملاقة. ويبدو أنه غاب عن أذهانهم أن السعودية ابدعت في صناعة تحلية المياه المالحة، فضلًا عن أن صحراء الجزيرة العربية تحتوي على بعض المياه المخزنة في باطنها منذ ألوف السنين، لم تُستغل بعد، كافية لروي كمية كبيرة من الأشجار والمساهمة في تحويل الصحراء مروجًا وانهارًا.

وبما أن الأمطار هي المحرك الرئيس في بقاء الحياة وانتعاشها، وأن قِلَّتها قد تنتهي معها الحياة، فإن البشرية لم ولن تتوقف عن البحث لإيجاد حلول، حتى أن إحدى الدراسات التي خرجت لنا بنظرية لم يلتفت لها إلّا قِله، أعدتها جامعة في ألمانية تُدعى جامعة هوهنهايم أثبتت بما لا يقطع الشك باليقين أن كثرة زراعة الأشجار تزيد من هطول الأمطار، وهذا يعطينا دليلًا يقينًا أن مشروع زراعة الصحراء وتحويلها إلى غابة مليئة بالأشجار هو أحد أهم وانجع المشاريع قاطبةً، وسبقٌْ أراده الله لهذه الأرض الطاهرة إن لم ابالغ. فالبعض قد يرى أن التركيز في الصناعة والتجارة أفضل من الزراعة لانعاش الاقتصاد، ولكن ما لا يدركونه أن الغابات هي ايضًا ثروة كبيرة تعمل على بناء سلة غذاء وموارد مياه تتقاتل عليها الأمم وتُدفع من أجلها الغالي والنفيس، فضلًا على أنها ستكون حماية ضد زحف الرمال ومنعها من تدمير الثروات التي قد تتجاوز مئات الملايين من مقدرات الدولة سنويًا.

وفي الجانب الآخر، أن العالم يتهدده كوارث إزاء تحجم طبقة الأوزون أحد أهم الطبقات التي تحمي الأرض من السموم والاشعاعات والصخور التي تتقاذفها الكواكب والنجوم في فضاء الكون. وقرار السعودية في زرع تلك الكمية الهائلة من الأشجار، سيساهم من تخفيف الانبعاثات الضارة بغض النظر عن نسبةِ ذلك. فقد أفرزت إحدى الدراسات التي قام بها عالِمٌ يُدعى "بوربلا جالوس" من معهد ماكس بلانك للأرصاد الجوية نتائج هائلة ومشجعة في تغير المناخ من خلال زراعة مناطق قاحلة بأشجارٍ مما يجعل هذه المناطق ذات انبعاثٍ حراريٍ بارد يقلل من كمية الانبعاثات الملوثة الحارة التي تعمل على اتلاف طبقة الأوزون.

ولا يخفى عليكم أن وزارة البيئة والزراعة بعد أن تم هيكلتها  بنجاح، دأبت في الاهتمام بعمل بحوث مستفيضة للمساعدة في الزيادة من الرقع الخضراء، وغرس الأشجار في مناطق واسعة من البلاد، وقرار صاحب السمو ولي العهد يتوج هذه الجهود ويعززها ويجعلها مشاريع متعاظمة لا يماثلها أي مشروع آخر، ولا سيما أن الوزارة قطعت شوطًا كبيرًا في تطويع أنظمة الحاسوب لخدمة أهدافها الاستراتيجة شاركت فيها كُبرى دور الخبرة الاستشارية والتنفيذية من القطاع الخاص، وهذه الأدوات ستكون معينًا في تنفيذ مشروع سمو ولي العهد.

فإذا نظرنا إلى هذا القرار من الجانب الاقتصادي، فلا ننسى أن ننظر إليه من الجانب الديني أيضًا، فديننا الحنيف حثنا على غرسِ فسيلة حتى وإن كان يوم يُكشف عن ساقٍ ،فضلًا على أن يكون يوم رخاءٍ. وهذا نزولًا عند قول سيدنا محمد ﷺ {إذا قامت الساعةُ وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها}.
أتسائل، هل سنعيش إلى ذلك اليوم البهيج من عمرِ الجزيرة العربية وهي مرتدية وشاحها الأخضر و هي بين ينابيعها وأنهارها التي تأخذ الألباب؟، فليس ذلك على الله بعزيز، وأن التفاؤل لاشك يصنع ما كان مستحيلًا ويساعده في ذلك تقدم التقانة التي قطعت شوطًا كبيرًا.

انتقل إلى أعلى