الإلحاد بين الحقيقة والواقع.

تظهر لنا بين وقت وآخر شخصيات في محيطنا العربي والإسلامي تثير الجدل وتتحدى بإلحادها ونكرانها بوجود الخالق، رغم أنها ترعرعت في كنف أُسر تعتنق الإسلام. فهولاء يذكروننا بكفار قريش الذين لم يؤمنوا برسالة الله رغم كل المعجزات التي حدثت أمامهم، ابتداءً بشق القمر الذي تم اثباته بعد ١٤٠٠ عامًا من قبل وكالة ناسا الأمريكية للفضاء، ناهيك عن معجزات كثيرة أثبتت حقيقة رسالة الله الحق كالشمس في رابعة النهار. 

فهؤلاء مهما قدمت لهم من البراهين لم ولن يقروا بنبوة سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام وأن الإسلام حقيقة واقعة، تكبرًا وتعالي و بسبب عقدهم النفسية في غالب الظن. فمنهم من يصاب بانفصامٍ شخصيٍ لبعدهم عن الله أو يصابون بمرض الهذال وهو أقل تأثيرًا، بيد أنه يجعل الإنسان شخصية مغايرة تصنع منه عدوًا يسبحُ عكس التيار، يهاجم الدين وينتقده بشراسة كونه المؤطر لحياة الإنسان. والعتب على من يفردون لهم ساحات في وسائل التواصل الاجتماعي، قد تمتد إلى أيام لمناقشة هؤلاء التوافه الذين يُحكّمون أمور الدين بمفهومهم القاصر.

والخطورة أن المتحاورين يفتقدون لأبسط أدوات المعرفة التي تمكنهم من دحض إفتراءات هؤلاء الملحدين، فبدلًا من أخذ النقاش من منظورٍ علمي والذي يثبت بكل الدلائل معجزة القرآن، يناقشونهم من منظوريٍ  أخلاقيٍ وأساليب اعتيادية، لا تعدو كونها مصطلحات عامة لا تدخل في أعماق الفكر العقدي بكل تعقيداته تجعل من الخصم عاجزًا أمامها، ناهيك عن الفكر في الإعجاز العلمي الذي لا ينبغي أن يخوض فيه إلّا من كان على دراية تامة به.

 فضلًا عن أن سيد الأنام لم يتحدث عنه، بل أفسح المجال أمام الناس العارفين بلغة العرب القح لتأويله، كأمثال عبدالله بن عباس الذي وصِف بحبر الأمة، وهذا يعطينا دلالة واضحة أن آيات النبوة التي تحمل بين ثناياها الإعجاز العلمي قابلة للتأويل حسب الإدراك النسبي للمفسر، ولا ينبغي تحجيرها حسب أراء المفسرين القدامى الذين لم يعاصروا واقعنا الحاضر، ولا سيما أن هناك تباين في فهم لمثل هذه الآيات بين مفسرٍ وآخر.

والخطير في مثل هذه المناظرات لا تنتهي بنتائج ايجابية، بل قد تظهر القوة التدميرية لحجة الملحدين ضد مبادئ الدين، وخصوصًا أن عدد الحضور في أحد اللقاءات تجاوز الألف وخمسمائة شخص، وأغلبهم من عوام الناس، والأكثر خطورة عندما يتواجدُ بينهم من يعبد الله على حرفٍ وهو ينتظر هفوة واحدة تشجعه بالتخلي عن دينه ويسبحُ مع موجة الإلحاد على أقل تقدير. وهذا ما حدث ويحدث فعلًا يفتح باب الإلحاد على مصراعية يتلقف شباب المسلمين الذين من المفترض هم من يحمون بيضة الإسلام ويدافعون عنه. 

مشكلة ملحدي العرب إلحادهم فيه نوعًا من الغباء، لا يناقشون بعين بحاث بل أنهم يأخذون الأمر تحدي لإثبات صحة أقوالهم، بعكس ملحدي الغرب الذين يلحدون نتيجة كتبهم الدينية التي تحمل كثيرًا من التناقضات لا تشبع شغفهم الروحي، فيبحثون عن الحقيقة، وقد يتقبلون الإسلام كدينٍ إن صادفهم، أسهل من غيرهم من ملاحدة العرب الذين يتركون النعيم الذي توارثوه كابرٍ عن كابرٍ بسقط الحياة الفوضوية التي تساويهم بالحيوانات، هذا إن لم تبلغ بهم في الدرك الأسفل من الانحطاط. وحقيقة الأمر عن الغالبية من الملحدين العرب ساقهم إلى الإلحاد حب الشهوات والبحث عن الإنحلال الخلقي الذي غرق فيه الغرب، وليس البحث عن القناعة.

وفي المقابل اجتماع الناس حول هؤلاء التوافه يجعل منهم مشهورين،  بدلًا من إغلاق باب الفتن وعدم مناقشتهم، فهذا "علي البخيتي" المنشق عن مليشيا الحوثي والذي اعتنق الإلحاد يصول ويجولُ بين غرف وساحات كلب هاوس وتويتر حاملًا لواء الإلحاد يبثُ به سمومه، وللأسف يتجاوب معه الكثير من باب الفضول ولا يستطيعون منع أنفسهم في الدخول معه في نقاش عقيم لا فائدة منه، وقد ينتهي بالاستهزاء بهم عندما يعجزون لافتقادهم لأساليب النقاش المثلى التي تدحض افتراءاته وافتراءات غيره من الملاحدة. 

وقد قيل في الأثر "الخسران يقطع المصران"، فتجاهلهم هو أنجع الوسائل في اطفاء حريق فتنهم، فهم لن يرتاحوا حتى يرون أنفسهم محاطين بأمثالهم الجهلة، وكأنهم يقولون "العذاب مع الجماعة رحمة". 
نسأل الله أن يثبتنا على الإيمان وأن يحسن خاتمتنا ولا يمتنا إلّا على المحجة البيضاء.

 

بقلم : عثمان الأهدل

 

 

انتقل إلى أعلى