عندما يدس السم في عسل الهوية المستعارة
أكرم الشريف
ماجستير إعلام رقمي
بطبيعتي وفلسفتي في الحياة، نأيتُ بنفسي دوماً عن الكتابة في الشؤون السياسية للبلدان
أو الخوض في تفاصيل الصراعات والأديان والأفراد؛ فما يجمع البشر أكبر بكثير مما يفرقهم.
لكنني ومن خلال انغماسي الطويل في عالم المنصات الرقمية الشاسعة والمتنوعة
لفت انتباهي سلوك عجيب ومريب في آنٍ واحد، سلوكٌ لا يمكن لعينٍ واعية أن تخطئه أو تمر عليه مرور الكرام.
إننا أمام ظاهرة متصاعدة تتمثل في "انتحال الهوية الوطنية"، وتحديداً تقمص شخصية المواطن المنتمي إلى بلدٍ خليجي محدد يتمتع بثقل جغرافي وسياسي وإقليمي وعالمي ويَحظى بمكانةٍ استثنائية في وجدان الملايين حول العالم.
المثير للصدمة إذ يتحدث هؤلاء المنتحلون بلهجة هذا البلد بدقة ويتبنون إنجازاته وعاداته
ويشاركون تفاصيله اليومية وثقافته، مُظهرين أنفسهم كأنهم من نسيجه وأبنائه الخلّص.
ولكن ...! ما إن يطمئن لهم المتابع حتى يبدأ الوجه الحقيقي في التكشف؛ فيمرون من خلال هوياتهم الزائفة خطاباً مسموماً ينتقض من منجزات الوطن، أو يزرع الشكوك حول أوضاعه، أو يسيء إلى صورته بأساليب خبيثة غير مباشرة، وكل ذلك ينضوي تحت غطاء "الحرص الخائف" و"الانتماء الغيور"!
هنا تقافزت إلى ذهني تساؤلاتٌ جوهريّة ومقلقة: ما الذي يدفع إنساناً إلى استعارة هويّة بلدٍ لا ينتمي إليه، ثُم دس السم في العسل من خلالها؟ أهو دافع سياسي ممنهج تقوده جهات تسعى لخلخلة الجبهات الداخلية؟ أم هو هوس شخصي ورغبة عارمة في اكتساب مكانة واحترام وقيمة تفاعلية لا يستطيع نَيلهما عبر هويته الحقيقية؟ أم نحن ببساطة أمام حقدٍ اجتماعي يتخفّى خلف قناع ملون، وسلوكٍ متعمد يوظف أدوات التواصل الاجتماعي في التزييف والتضليل؟!
إن الغاية من إثارة هذه التساؤلات ليست توجيه أصابع الاتهام إلى فئة أو جنسية بعينها، بقدر ما هي محاولة جادة للفت الانتباه إلى سلوك يستحق التأمّل والدراسة، واستدعاء الوعي اليقظ لدى أبناء مجتمعاتنا العربية والخليجية التي تَتعرّض بشكل مستمر لمثل هذه الممارسات الممنهجة.
لقد علمتنا التجربة الرقمية أن الحروب الحديثة لم تعد تُخاض بالعتاد التقليدي الفج، انما بأدوات "القوة الناعمة المزيفة"، حيث يجري اختراق الوعي الشعبي من الداخل بأسماء مستعارة وصور بروفايلات محليّة. ولذلك، فإن الفرد الواعي حقّاً في عصرنا الحالي، هو الذي يُدرك أن الهوية الرقمية ليست دائماً مِرآةً صادقة تَعكس الهوية الحقيقية، وأن خلف كل لهجة متقنة أو شعار وطني براق، قد يختبئ عقلٌ يحمل أجندة مغايرة تماماً.
الحذر الرقمي والتحقق من مصادر الطرح والعمق السلوكي للحسابات هو خط الدفاع الأول لحماية مجتمعاتنا وعقولنا من التزييف الممنهج.