يوم المعلم… حين يكون التقدير أكبر من كلمة شكر
بقلم: باسمه الضويمر
في الخامس من أكتوبر من كل عام، يحتفي العالم بالمعلم، ذلك الإنسان الذي تمر من أمامه أجيال، وتكبر على يديه أحلام، وتتشكل في حضوره عقول قد تصنع يومًا فارقًا في مستقبل الأوطان. غير أن هذا اليوم، بما يحمله من مشاعر الامتنان والتقدير، يدعونا إلى تساؤل أعمق: هل أنصفنا المعلم فعلًا، أم أننا اختزلنا مكانته في عبارات الشكر ومراسم التكريم؟
إن المعلم ليس مجرد ناقل للمعرفة، ولا موظف تنتهي مسؤوليته بانتهاء ساعات الدوام، بل هو شريك في بناء الإنسان، وصناعة الوعي، وغرس القيم التي لا تستطيع المناهج وحدها أن تغرسها. وكم من طالب تغيّر مسار حياته بكلمة تشجيع، وكم من موهبة اكتُشفت لأن معلمًا آمن بها، وكم من إنسان تجاوز إخفاقه لأن هناك من منحه الثقة في لحظة كان فيها بأمسّ الحاجة إليها.
ومع ذلك، فإننا نعيش اليوم مفارقة تستحق التأمل؛ إذ نطالب المعلم بأن يكون مربيًا وملهمًا وموجهًا وصانعًا للأجيال، بينما قد نغفل عن حجم الضغوط التي يواجهها، وعن حاجته إلى بيئة تعليمية داعمة، وأسرة متعاونة، ومجتمع يدرك أن التربية مسؤولية مشتركة، وليست عبئًا يُلقى على عاتق المدرسة وحدها.
لقد تغيّرت ملامح التعليم، وأصبح الطالب يعيش في عالم مفتوح تتزاحم فيه المعلومات، وتتعدد فيه مصادر التأثير، وتتنافس الشاشات على تشكيل أفكاره وقناعاته. وهنا تتعاظم مسؤولية المعلم؛ فلم يعد التحدي أن يُوصل المعلومة، بل أن يبني عقلًا قادرًا على تحليلها، وتمييز حقيقتها، والتعامل معها بوعي ومسؤولية.
ولعل من أكثر ما يحتاجه المعلم اليوم ليس المزيد من عبارات الإشادة، بل المزيد من الثقة والتمكين والاحترام. فمكانته لا تُصان بالشعارات، وإنما بالممارسات اليومية، وبالإنصاف عند الاختلاف، وبالتقدير الذي لا يرتبط بمناسبة عابرة.
ولا يعني ذلك أن المعلم فوق النقد أو بعيد عن المساءلة، فالتعليم رسالة عظيمة تستوجب الإتقان والتطوير والمحاسبة العادلة، لكن ثمة فرقًا بين النقد الذي يصحح المسار، والتجريح الذي يهدم المكانة، وبين المطالبة بالحقوق وتحميل المعلم مسؤولية كل خلل تربوي أو سلوكي.
وفي وطننا الغالي، المملكة العربية السعودية، حيث تتسارع خطوات التنمية وتتسع آفاق الطموح في ظل رؤية السعودية 2030، يظل المعلم ركيزة أساسية في بناء القدرات البشرية وإعداد أجيال تمتلك المعرفة والمهارة والقيم. فالمستقبل الذي نتطلع إليه لا تصنعه التقنيات وحدها، مهما بلغت من تقدم، بل يصنعه الإنسان القادر على توظيفها، والمعلم أحد أهم من يسهمون في إعداد هذا الإنسان.
إن أجمل صور الوفاء للمعلم ألا ننتظر يومًا عالميًا لنتذكر فضله، وألا نجعل التقدير مرتبطًا بمنصة احتفال أو شهادة تكريم، بل أن نرسخ ثقافة تحترم رسالته، وتحفظ كرامته، وتعينه على أداء واجبه، وتمنحه حقه من الدعم والتطوير.
فالمعلم لا يحتاج إلى أن نبالغ في وصف عظمته، بقدر ما يحتاج إلى أن ندرك حجم مسؤوليته، ولا يحتاج إلى تصفيقٍ ينتهي بانتهاء المناسبة، بقدر ما يحتاج إلى تقديرٍ يبقى حين تغيب الأضواء.
وفي يوم المعلم، لعل الرسالة الأصدق التي ينبغي أن تصل إليه هي أننا لا نحتفي بما يقدمه داخل الفصل فحسب، بل نعي قيمة ما يتركه خارجه؛ في فكر طالب، وفي سلوك جيل، وفي وعي مجتمع.
فليست كل الإنجازات تُبنى من حجر، وليست كل النجاحات تُقاس بالأرقام؛ فهناك إنجازات تمشي على الأرض في هيئة بشر، كان خلف نضجهم معلم، وخلف نجاحهم كلمة، وخلف طموحهم إنسان آمن بأن بناء العقول هو أعظم استثمار في مستقبل الأوطان.
وإذا كانت الأوطان تفخر بمنجزاتها، فإن من الوفاء ألا تنسى أولئك الذين أسهموا في صناعة الإنسان القادر على تحقيقها.
فشكرًا لكل معلمٍ أدرك أن التعليم ليس ملء العقول بالمعلومات، بل إيقاظ ما فيها من إمكانات، وأن الأثر الحقيقي لا ينتهي بانتهاء الدرس، بل يبدأ منه.