|

الذكاء المرهق

الكاتب : الحدث 2026-10-05 08:59:02

 

بقلم: د. بجاد بن خلف البديري
خبير الشراكات الاستراتيجية

قبل أن ينام، أطفأ الأنوار ووضع هاتفه جانبًا، لكن عقله ظل مستيقظًا.
أعاد حوارًا دار في الصباح، وراجع قرارًا اتخذه قبل أيام، وتخيل سيناريوهات لا حصر لها لما قد يحدث غدًا. وبينما كان كل شيء من حوله ساكنًا، كان عقله يمضي في حلقات لا تنتهي من الاحتمالات.
وربما هنا تكمن المفارقة التي لا نتحدث عنها كثيرًا: فالذكاء ليس دائمًا نعمة مريحة، بل قد يكون أحيانًا عبئًا خفيًا لا يراه إلا صاحبه.
اعتدنا أن ننظر إلى الذكاء على أنه طريق مختصر إلى النجاح، لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك. فليس بالضرورة أن يكون الأذكى هو المنتصر، ولا الأكثر معرفة هو الأسبق وصولًا. وفي كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في نقص القدرات، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع تلك القدرات.
فالعقل الذكي لا يرى طريقًا واحدًا، بل يرى طرقًا متعددة. ولا يتوقع احتمالًا واحدًا للفشل، بل يبني في لحظات سيناريوهات مختلفة لما قد يحدث وما قد لا يحدث. وهذه القدرة على رؤية التفاصيل، رغم أنها مصدر قوة، قد تتحول إلى عبء عندما تجعل صاحبها يتردد أكثر مما ينبغي.
ولذلك، يخسر بعض الأذكياء فرصًا لم يكن ينقصهم فيها العلم أو الكفاءة، وإنما أثقلهم التفكير قبل أن يبدؤوا. يحللون، ويقارنون، ويعيدون الحسابات، حتى يصبح اتخاذ القرار أكثر إرهاقًا من التحدي الذي ينتظرهم.
وفي المقابل، نجد أشخاصًا أقل معرفة، لكنهم أكثر قدرة على الحركة. لا لأنهم يتجاهلون المخاطر، بل لأنهم يقبلون أن الطريق لن يكون كاملًا، وأن بعض الإجابات لا تظهر إلا بعد الخطوة الأولى.
وربما لهذا السبب، لا يعمل النجاح دائمًا بمنطق الأكثر استحقاقًا كما نتصور، بل بمنطق الأكثر قدرة على الاستمرار والتكيف والتعامل مع الغموض دون أن يشله.
ولعل أكثر ما يرهق العقل الذكي أنه لا يكتفي بإدراك الواقع، بل يمتد نظره إلى ما وراءه. فيحسب الاحتمالات، ويستشرف النتائج، ويربط التفاصيل بعضها ببعض، حتى تصبح كثرة الوعي نفسها مصدرًا للتعب.
فكلما اتسعت الرؤية، ازدادت الأسئلة. وكلما ازداد الإدراك، تعاظمت المسؤولية. وأحيانًا ازداد القلق.
ومن هنا، لا يعود التحدي الحقيقي هو امتلاك عقل قادر على التحليل، بل امتلاك نفس قادرة على إدارة ذلك العقل. فالعقل يرشدنا إلى ما ينبغي أن نفعله، لكن النفس هي التي تمنحنا القدرة على الإقدام عليه.
ولهذا، فإن الذكاء العاطفي ليس مهارة ثانوية بجانب الذكاء العقلي، بل هو ما يحميه من أن يتحول إلى عبء. فالقدرة على تهدئة القلق، وتحمل الغموض، وتقبل الخطأ، والمضي رغم عدم اكتمال الصورة، هي ما يمنح العقل فرصة لاستخدام أفضل ما لديه.
فالنجاح، في كثير من الأحيان، ليس معادلة عقلية بحتة، بل معادلة إنسانية يمتزج فيها التفكير بالاتزان، والمعرفة بالشجاعة، والتحليل بالفعل.
والذكاء وحده لا يبني العلاقات، ولا يصنع الثقة، ولا يضمن القبول المهني أو الاجتماعي؛ لأن الإنسان لا يقاس فقط بما يعرفه، بل أيضًا بكيفية تعامله مع الآخرين ومع نفسه. فهناك صفات لا تقل أهمية عن الذكاء، مثل المرونة، وحسن التواصل، وفهم الناس، وحسن اختيار التوقيت، والقدرة على النهوض بعد التعثر.
ولذلك، قد لا يكون الفارق الحقيقي بين شخصين في مقدار ما يعرفانه، بل في الطريقة التي يدير بها كل منهما نفسه عندما تزداد الضغوط، وتغيب الإجابات، وتصبح الرؤية غير مكتملة.
وربما لهذا السبب، لم يكن السؤال يومًا: من هو الأذكى؟ بل السؤال الأجدر بالتأمل: هل يستطيع هذا الذكاء أن يمنح صاحبه السلام، أم أنه يستهلكه قبل أن يحقق ما يريد؟
فليست أعظم نعمة أن تمتلك عقلًا استثنائيًا، بل أن تعرف متى تنصت إليه، ومتى تمنحه فرصة ليهدأ.