|

من كتف أبي بدأت الحكاية

الكاتب : الحدث 2026-09-29 11:51:10

بقلم - منى الغامدي 

كنت أردد قديما دون أن أتوقف كثيرا عند عمق العبارة «ليس الفتى من يقول كان أبي». كنت أفهمها كما يفهمها كثيرون بأن الإنسان ينبغي أن يصنع مجده بنفسه وألا يعيش متكئا على تاريخ أبيه أو اسمه. لكنني كلما كبرت وعرفت الحياة أكثر وعرفت أبي أكثر وجدتني أختلف مع هذه العبارة من أعماقي. نعم سأقول كان أبي وسأظل أقولها ما حييت لا اتكاء على مجد مضى ولكن امتنانا لرجل كان له الفضل بعد الله في كثير مما أنا عليه اليوم.
وكيف لا أقول كان أبي وهو أول من وضع القلم في يدي وأول من علمني أن للحياة أبوابا لا تفتح إلا بالعلم والسعي وأن الإنسان لا ينتظر مستقبله بل يمضي إليه. وما زالت في ذاكرتي صورة قديمة تختصر عندي حكاية أبي كلها. كان يحمل على كتفه كرتونا كبيرا أثقلته دفاتري وأقلامي وألواني وأدوات الهندسة. كنت أراه يومها أبا يحمل حاجات ابنته ولم أكن أدرك أن ما يحمله فوق كتفه لم يكن مجرد أدوات للدراسة بل كان يحمل مستقبلي كله.
كبرت وبقي ذلك المشهد يكبر معي. أدركت بعد سنوات أن كتف أبي في ذلك اليوم كان أشبه بجسر عبرت عليه إلى ما أنا عليه الآن وأن تلك الدفاتر لم تكن مجرد أوراق وتلك الأقلام لم تكن مجرد أدوات وتلك الألوان لم تكن أشياء صغيرة نفرح بها في طفولتنا بل كانت بدايات طريق طويل. أبي لم يكن يشتري لي أدوات الدراسة فحسب بل كان يشتري لي فرصة ويفتح أمامي نافذة على الحياة ويضع في يدي مفاتيح أبواب لم أكن أعرف يومها أنها ستقودني ذات يوم إلى نفسي.
وحين أعود اليوم إلى داخلي أجد أن لأبي نصيبا في كل شيء جميل تشكل في شخصيتي. في صبري شيء من صبره وفي قوتي شيء من قوته وفي طموحي امتداد لخطواته وفي عزة نفسي شيء من عزته. وحتى نجاحاتي التي قد يراها الآخرون إنجازات شخصية أراها أنا امتدادا لذلك الرجل الذي كان يقف في البدايات خلف كل خطوة ويمنحني من تعبه دون أن يحدثني عن تعبه ومن عمره دون أن يخبرني كم أخذت منه الأيام من أجلنا.
فالآباء لا يمنحون أبناءهم المال والأشياء فقط بل يمنحونهم أجزاء من أعمارهم. يخفون التعب كي لا نراه ويؤجلون رغباتهم كي تتحقق رغباتنا ويحملون عنا أثقال البدايات حتى نقوى على حمل أنفسنا. وربما تمر سنوات طويلة قبل أن نفهم حجم ما فعلوه لأننا حين كنا صغارا كنا نرى ما يصل إلى أيدينا ولا نرى اليد التي تعبت حتى يصل إلينا.
لهذا لا أخجل أبدا أن أقول كان أبي بل أقولها بكثير من الفخر لأنني لا أستعير مجدا من أبي وإنما أعترف بفضل رجل صنع من تعبه طريقا لي. وحين أصل اليوم إلى نجاح جديد أشعر أنني أرد إليه شيئا صغيرا من جميل كبير لا يمكن أن يرد وأن كل خطوة أمضيها إلى الأمام تحمل في داخلها أثرا من تلك الخطوات الأولى التي مشاها معي.
أبي ليس ماضيا أتكئ عليه حين أقول «كان أبي» بل هو حاضر في كل ما أنا عليه. حاضر في اختياراتي وفي قوتي وفي نظرتي للحياة وفي ذلك الإصرار الذي يدفعني كلما تعثرت إلى الوقوف من جديد. بعض الآباء يتركون لأبنائهم مالا وبعضهم يتركون أسماء أما أبي فقد ترك في داخلي ما هو أبقى من ذلك كله. ترك إنسانا يعرف قيمة نفسه ويعرف أن الطريق مهما طال يستحق أن يمشى.
واليوم كلما عادت إلي صورة ذلك الأب وهو يحمل الكرتون فوق كتفه أشعر أنني أراها للمرة الأولى. كنت يومها طفلة أظن أن أبي يحمل دفاتري وأقلامي وألواني أما اليوم فأعرف الحقيقة التي لم أفهمها إلا بعد أن كبرت. كان أبي يحمل مستقبلي على كتفه.

فكيف لا أقول كان أبي؟

كان أبي وما زال أبي وسيظل أجمل فصل في قصة تكويني وأول وطن أحببته وأول يد أخذت بيدي نحو الحياة وأعظم رجل كلما كبرت أنا كبر في عيني أكثر.

حفظ الله سيدي ونور قلبي وسعادتي أبي.