*فإنَّ سكونَ الشجاعِ النَّهوس .. ليس بمانعِهِ أن يَعَضّ*
أكرم الشريف - ماجستير إعلام رقمي
خلال الأيام الماضية تعددت مصادر التهديد وتداخلت ساحات اليمن والعراق وإيران وارتفعت حدة التوتر في منطقة اعتادت أصلًا أن تعيش على حافة الأزمات.
وفي مثل هذه الظروف يصبح السؤال الشعبي مفهومًا وبسيطًا: ماذا سيكون الرد؟
لكن السؤال الذي يشغل الدول عادة أكثر تعقيدًا:
ما الرد الذي يحقق الغاية لا الرد الذي يشبع اللحظة؟
فالفرق بين الفرد والدولة أن الفرد يستطيع أن يغضب دون أن يحمل مسؤولية اليوم التالي بينما الدولة لا تملك هذه الرفاهية. خلف كل قرار عسكري اقتصاد وأسواق ومدن ومطارات وموانئ واستثمارات وتحالفات وملايين البشر ولذلك فإن قرار استخدام القوة هو التوقيت والهدف والنتيجة وما سيحدث بعد النتيجة.
لسنوات طويلة ارتبط مفهوم القوة في الوعي العام بالفعل المباشر: من يضرب أكثر فهو الأقوى ومن يرد أسرع فهو الأشد ومن يرفع صوته أكثر يبدو أكثر حضورًا.
لكن الدول لا تُدار بمنطق المشاجرة ..! فقد يكون الاستعجال نفسه هو الخطأ الذي ينتظره خصمك منك.
فالخصم يستفزك لأنه يريد أن ينقلك من أرضك إلى أرضه ومن توقيتك إلى توقيته ومن حساباتك إلى حساباته.
وحين تنفعل كما يريد يكون قد نجح في اتخاذ جزء من قرارك نيابة عنك.
لهذا فإن أحد أهم أشكال السيادة التي لا نتحدث عنها كثيرًا هو سيادة القرار.
ومن هنا تحديدًا يصبح الحديث عن الأمير محمد بن سلمان أكثر تعقيدًا من محاولة قراءة تعبيرات وجهه أو تعداد تصريحاته أو انتظار جملة حادة تصدر عنه كلما ارتفع منسوب التوتر في المنطقة.
ومن هذه الزاوية ايضاً يمكن قراءة التناقض الظاهري في الخطاب السعودي خلال الأشهر الماضية.
فمن جهة أكدت الدولة رسميًا أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها في مواجهة الهجمات ومن جهة أخرى كان الأمير محمد بن سلمان في اتصالاته السياسية يؤكد أولوية الحوار وخفض التصعيد والحلول الدبلوماسية وتجنب اتساع دائرة الصراع.
ففي 2 أغسطس 2026 مثلًا أكد في اتصال مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أهمية إعطاء الأولوية للحوار والعمل على التهدئة بما يمنع تحول الأزمات إلى صراع أوسع يهدد أمن المنطقة واستقرارها.
للوهلة الأولى قد يعتقد البعض أن بين الموقفين تناقضًا:
لكن السياسة الجادة لا ترى بين الاثنين تناقضًا بالضرورة.
لأن السلام الذي لا تقف خلفه قوة قد يتحول إلى أمنية.
والقوة التي لا يضبطها هدف سياسي قد تتحول إلى استنزاف.
وبينهما توجد منطقة دقيقة جدًا هي التي تصنع فيها الدول الكبرى سياساتها: أن تكون مستعدًا للحرب بما يكفي لكيلا تُفرض عليك وأن تكون واعيًا بكلفتها بما يكفي لكيلا تبحث عنها.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى في شخصية المرحلة التي يقودها محمد بن سلمان.
لقد ارتبط اسمه منذ سنوات في الوعي العام بالسرعة: سرعة التغيير سرعة اتخاذ القرارات سرعة تنفيذ المشروعات وسرعة نقل المملكة من ملفات كانت مؤجلة لعقود إلى ملفات أصبحت تُدار في وقت متقارب.
لكن ربما يكون الاختبار الأصعب لأي قيادة اعتادت السرعة هو أن تعرف متى لا تكون السرعة هي القرار الصحيح.
لكن التاريخ السياسي مليء بدول لم تهزمها قلة القوة هزمتها إساءة استخدام القوة.
امتلكت جيوشًا كبيرة لكنها اختارت حروبًا صغيرة تحولت إلى مستنقعات…! امتلكت قدرة على الدخول لكنها لم تفكر جيدًا في كيفية الخروج. عرفت كيف تبدأ الصراع،ك ولم تعرف كيف تحدد اللحظة التي ينتهي عندها.
ولهذا فإن أحد أهم التحولات في مفهوم الأمن السعودي في السنوات الأخيرة هو أن الأمن لم يعد منفصلًا عن التنمية.
المطار أمن وميناء التصدير أمن وتدفق الاستثمار أمن واستمرار المشاريع أمن وصورة الرياض كمدينة تستطيع أن تستضيف العالم أمن وأن ينام الإنسان في منزله ولا يشعر أن المنطقة المشتعلة من حوله استطاعت أن تدخل إلى تفاصيل يومه… ذلك أيضًا أمن.
وهنا يصبح الحفاظ على الحياة الطبيعية في بعض الأزمات صورة من صور الانتصار لا نلتفت إليها كثيرًا.
لأن الخصم حين يهاجم دولة هو يريد أن يغير سلوك الدولة أن يرفع تكلفة خياراتها وأن يخيف المستثمر وأن يعطل مشروعًا وأن يربك المجتمع.
أن يجعل الناس ينظرون إلى السماء بدل أن ينظروا إلى المستقبل .. ولهذا فإن رفض منح الخصم هذه النتيجة يصبح في ذاته جزءًا من المواجهة.
ومن هنا يمكن فهم جانب من السياسة التي اتبعها محمد بن سلمان إقليميًا في الفترة الأخيرة: إبقاء قنوات الاتصال والدبلوماسية مفتوحة حتى في بيئة شديدة التوتر.
والسؤال الذي سيجيب عنه التاريخ لاحقًا هو: هل استطاعت المملكة وسط واحدة من أكثر البيئات الإقليمية اضطرابًا أن تحمي مشروعها الكبير دون أن تفقد قدرتها على حماية نفسها؟
هل استطاعت أن تجعل القوة خادمة للمشروع لا أن تجعل المشروع وقودًا للقوة؟
هل استطاعت أن تحتفظ بحق الرد دون أن تمنح خصومها حق تحديد توقيته؟
هذه أسئلة لا يمكن الجزم بإجاباتها من داخل اللحظة وإنما تحكم عليها النتائج.
وبين القدرة على الفعل والحاجة إلى الفعل توجد مساحة واسعة اسمها الحكمة السياسية وفي داخل هذه المساحة تحديدًا يُختبر صاحب القرار.