|

المحكمة الجنائية الدولية تنقل برامجها وتدفع رواتب مقدمًا تحسبًا لعقوبات أمريكية

الكاتب : الحدث 2026-09-25 04:09:20

اتخذت المحكمة الجنائية الدولية سلسلة إجراءات لتقليل تأثير عقوبات أمريكية محتملة قد تستهدف المؤسسة بأكملها، شملت دفع رواتب موظفين لأشهر مقدما، والبحث عن بدائل للخدمات التكنولوجية والمصرفية، مع استمرار استعدادات المحكمة التي تتخذ من لاهاي مقرا لها منذ نحو عام لمواجهة أي قيود جديدة.

وبحسب صحيفة «فايننشال تايمز»، قالت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان إن المحكمة بدأت هذه الاستعدادات قبل فرض أي عقوبات جديدة، بعدما تلقت ما وصفته بـ«شائعات» عن إجراءات أمريكية وشيكة، لكنها لم تتلق حتى الآن أي إخطار رسمي بشأن عقوبات جديدة.

وقالت خان: «يجب أن يسود القانون على القوة»، مؤكدة أن المحكمة لا تنتظر فرض العقوبات للتحرك، وأن المؤسسة وضعت بالفعل «حواجز حماية» للحد من آثار أي إجراءات تستهدفها.

وشملت الاستعدادات مراجعة أنظمة المحكمة التقنية، إذ بدأت خلال العام الماضي نقل برامج العمل المكتبي من خدمات «مايكروسوفت» الأمريكية إلى منصة «openDesk» الألمانية، بعدما كان موظفو المحكمة قد أُبلغوا بأن أكثر من 90% من عملياتها تعتمد على أنظمة تكنولوجية أمريكية.

وفي الجانب المالي والإداري، وضعت المحكمة ترتيبات بديلة للخدمات المصرفية والتأمين الصحي، كما راجعت ترتيبات السفر والعمل عن بعد، واحتفظت بإجراءات احتياطية تتضمن تنزيل وطباعة ملفات مهمة تحسبا لأي اضطراب محتمل في العمليات.

ورفضت المحكمة الكشف عن تفاصيل بعض الترتيبات البديلة الخاصة بالخدمات المصرفية والتأمين، خشية أن يؤدي الإفصاح عنها إلى فقدان تلك الإجراءات فعاليتها، فيما دفعت رواتب موظفين لأشهر مقدما لتقليل آثار أي اضطراب محتمل في عملية صرف الرواتب إذا امتدت العقوبات إلى المؤسسة نفسها.

وقالت خان إن هذه الإجراءات لا تزال «قيد التطوير»، لكنها أكدت أن المحكمة قطعت خطوات كبيرة لتعزيز قدرتها على العمل بصورة مستقلة في حال فرض قيود جديدة.

وتأتي هذه الاستعدادات وسط تقارير أفادت هذا الأسبوع بأن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تستعد لفرض إجراءات على المحكمة بأكملها، في تصعيد جديد للخلاف بين واشنطن والمحكمة على خلفية تحقيقات وملاحقات تطال مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين.

وتعود إحدى أبرز نقاط التصعيد إلى نوفمبر 2024، عندما أصدرت المحكمة مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالحرب في غزة.

ويرفض نتنياهو وإسرائيل هذه الاتهامات واختصاص المحكمة، كما ترفض الولايات المتحدة اختصاصها على مواطنيها ومواطني إسرائيل، باعتبار أن البلدين ليسا طرفين في نظام روما الأساسي.

وفي فبراير 2025، أصدر ترامب أمرا تنفيذيا يتيح فرض عقوبات على مسؤولين في المحكمة، متهما المحكمة باتخاذ إجراءات «غير مشروعة» ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. ونص الأمر، بحسب البيت الأبيض الأمريكي، على تجميد الممتلكات والمصالح المالية الخاضعة للولاية الأمريكية للأشخاص المدرجين بموجبه، كما أتاح استهداف أجانب ترى واشنطن أنهم شاركوا مباشرة في جهود المحكمة للتحقيق مع مواطنين أمريكيين أو مواطنين من دول حليفة غير موافقة على اختصاص المحكمة، أو قدموا دعما ماديا أو تقنيا لهذه الجهود.

ولم تتوقف الإجراءات الأمريكية عند هذا الحد، إذ فرضت واشنطن عقوبات على مسؤولين في المحكمة، بينها عقوبات على أربعة من قضاتها، شملت تجميد أصول خاضعة للولاية الأمريكية وقيودا على التعاملات معهم. وقالت إدارة ترامب إن هذه الخطوات جاءت ردا على تحركات المحكمة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما رفضت المحكمة الإجراءات وتمسكت باستقلالها.

وأوضحت خان أن أثر العقوبات لا يقتصر بالضرورة على الأشخاص المستهدفين مباشرة، مشيرة إلى أن بعض مسؤولي المحكمة الذين طالتهم العقوبات واجهوا بالفعل ما وصفته بـ«الإفراط في الامتثال»، بعدما فرضت بعض المؤسسات قيودا عليهم تتجاوز المتطلبات المباشرة للعقوبات، ما اضطرهم إلى إيجاد وسائل بديلة لمواصلة حياتهم وتعاملاتهم.

وكانت خان نفسها قد تعرضت لعقوبات أمريكية العام الماضي، بحسب «فايننشال تايمز».

ويستعيد التصعيد الحالي مسار العقوبات التي فرضتها واشنطن خلال ولاية ترامب الأولى على المدعية العامة السابقة للمحكمة فاتو بنسودا ومسؤول آخر في مكتب الادعاء، على خلفية التحقيق في أفغانستان، قبل أن تلغي إدارة الرئيس السابق جو بايدن تلك العقوبات في أبريل 2021، رغم استمرار اعتراض واشنطن على بعض تحركات المحكمة.

ومع عودة العقوبات في ولاية ترامب الحالية بصورة أوسع، تواصل المحكمة التأكيد على أن عملها يستند إلى نظام روما الأساسي وأن الضغوط الخارجية لن توقف تحقيقاتها، بينما تتركز استعداداتها الحالية على ضمان استمرار عملياتها المالية والتكنولوجية والتشغيلية في مواجهة أي قيود أمريكية جديدة.