عام جديد بثقافة المسؤولية
بقلم ــ باسمه خليل الضويمر
مع بداية عام جديد، تتجدد الدعوات إلى التغيير والإصلاح، غير أن التجربة تؤكد أن أي نهضة مجتمعية لا تبدأ بالأنظمة وحدها، بل بالإنسان نفسه. فمحاسبة الذات تمثل اللبنة الأولى لبناء ثقافة المحاسبة المجتمعية، حيث يتحول الوعي الفردي إلى سلوك جماعي ينعكس على المجتمع بأكمله.
لقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى حين قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، في دعوة واضحة إلى مراجعة النفس قبل مساءلة الآخرين؛ لأن من يحاسب نفسه بصدق يكون أقدر على تحمل المسؤولية العامة.
كما يرسخ القرآن مبدأ التغيير من الداخل، بقوله سبحانه:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وهو مبدأ محوري في فهم العلاقة بين الإصلاح الفردي والإصلاح المجتمعي، إذ لا يمكن أن تستقيم مؤسسات أو مجتمعات دون وعي أفرادها بأدوارهم ومسؤولياتهم.
ومن السنة النبوية، قال رسول الله ﷺ: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ»، وهو تأكيد على أن محاسبة الذات ليست شأنًا شخصيًا فحسب، بل أساس للنزاهة والالتزام في الحياة العامة.
إن المجتمعات التي تنتشر فيها ثقافة محاسبة الذات، تقلُّ فيها مظاهر الإهمال والتقصير، وتزداد فيها قيم الانضباط، والشفافية، والاحترام المتبادل. وعلى العكس، فإن غياب المحاسبة الفردية يضعف مفهوم المساءلة المجتمعية، ويجعل المطالبة بالإصلاح مجرد شعارات.
ولا يعني الحديث عن المحاسبة المجتمعية إدانة أو تصيد أخطاء، بل ترسيخ ثقافة مسؤولة تقوم على الاعتراف بالخطأ وتصحيحه، كما قال النبي ﷺ:«كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون»، فالتصحيح هو جوهر المحاسبة، لا العقوبة وحدها.
وفي الختام، فإن العام الجديد يمثل فرصة لكل فرد أن يبدأ من نفسه، ليكون مواطنًا واعيًا ومسؤولًا، يسهم في بناء وطن متماسك، قوي، ومثالي. حين نحاسب أنفسنا ونصون القيم، نرتقي بمجتمعنا، ونحقق لأوطاننا الأمن والاستقرار والازدهار، لتظل المملكة نموذجًا للمسؤولية الوطنية والالتزام الجماعي، ولكل مواطن فيها دورٌ فاعل في صناعة المستقبل.