خرافات الأبراج .. وتأثير فورير
بقلم : د. محمد بن مرضي
قبل قرون طويلة لجأ الإنسان إلى السماء بحثًا عن دلائل على مصيره، فكانت الأبراج الفلكية إحدى تلك الوسائل التي اعتُقد بأنها تكشف الصفات الشخصية والتوقعات المستقبلية ، ورغم التقدّم العلمي الهائل لا تزال خُرافة الأبراج تحظى بانتشار واسع في وسائل الإعلام ومواقع التواصل، ويؤمن بها كثيرون دون إدراك لما تقوله الدراسات العلمية والآيات القرآنية عن هذه الظاهرة.
ولو سألنا ما هو تعريف الأبراج علميًا ؟ نجد أنها تقسيمات افتراضية لمسار الشمس عبر السماء إلى 12 جزءًا ، كل جزء يُنسب إلى "برج" محدد مثل الحمل، الثور، الجوزاء ...إلخ ، ويَزْعُم أصحاب هذه الخرافة أن من وُلد تحت برج معين يتصف بسمات شخصية محددة ويواجه أحداثًا متوقعة في حياته.
أما بالنسبة للرأي العلمي في تفنيد هذا الزعم هو غياب الأساس العلمي التجريبي ، كما أثبتت نتائج الدراسات العلمية الحديثة أن الأبراج لا تمتلك أي صلاحية علمية بتحديد الصفات الشخصية ، وفي الدراسة الشهيرة لعالم النفس كارلسون والتي نُشرت في مجلة Nature (Carlson et al., 1985)، أخضع عدد كبير جدًا من المشاركين لاختبارات مقننة لمعرفة مدى دقة التنجيم في تحديد شخصياتهم ، فكانت نتيجة أداء المشاركين صادمة لهم ، إذ لم تتجاوز النتائج نسبة الصدفة أصلاً ، أي بمعنى أنه لا يوجد ربط إطلاقًا وحتى النتائج لم تصل لحقيقة ادعاء ربط الأبراج بالسمات الشخصية ولو بالمصادفة على أقل التقدير.
ويفسّر سلوك الناس من خلال إيمانهم بالأبراج بما يسمى بـ تأثير فورير (Forer Effect) هذا الأثر النفسي يعني أن الناس تميل لتصديق الأوصاف العامة على أنها دقيقة وخاصة بهم ، رغم أنها تنطبق على الجميع وهذا ما يجعل الأبراج تبدو "صحيحة" ، فضلاً عن وجود سمات وأوصاف شخصية أخرى مخالفة للفطرة وللعرف الاجتماعي ينكرها من يؤمن بالأبراج إذا تم مواجهتهم بها وربطها بأبراجهم وهذا ما يشكك في صحة معتقداتهم وإيمانهم ، وهذا ما يخالف القاعدة العلمية إما الإيمان الكامل بالصفات أو الرفض الكامل لها ، والجدير بالذكر أن علم الفلك أثبت أن الأبراج الفلكية تغيّرت مواقعها بسبب ظاهرة "ترنّح الأرض"، مما يعني أن مواقع الأبراج اليوم لا تتطابق مع التقويم الأصلي للأبراج.
أما بالنسبة للنص الشرعي في القرآن فهو يرفض الغيب المدّعى ولكن يدعو للإيمان بالغيب خيره وشرّه، ويحصر علم الغيب بالله وحده ، وقد قال تعالى: "قُلْ لَا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ" ، فالتنجيم ومحاولة التنبؤ بالغيبيات المستقبلية في رأي الشرع محرّمة ، لأنها ادعاء لعلم الغيب.
ومن التأثيرات السلوكية والنفسية والأخلاقية للإيمان بالأبراج على الفرد والمجتمع ، هو التشوهات الفكرية فالتعلق بالأبراج وقراءة المستقبل يُضعف التوكل على الله ، كما أن بعض الناس يختار شريك حياته أو وظيفته بناءً على مواصفات برجه وهذا قرار غير عقلاني وغير منطقي ، كما يعطل النمو الشخصي، ويؤكد السلوك السيئ ويسبب ضعف المسؤولية الشخصية في التغيير من خلال أحاديث النفس كقول "أنا عصبي لأني برج كذا ... ".
فالأبراج ليست سوى خرافة مغلّفة بلغة جذابة ، تتجاهل المنطق والدين والعلم ، والإيمان الحقيقي يربط الإنسان بخالقه من خلال الأدلة والبراهين ويحثه على السعي والعمل ، لا انتظار النجوم بأن تقرر مصيره وتصف شخصيته ، قال تعالى : "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ".