اقطعوا الإمداد.. ينتهِ الحوثي
د . طلال الحربي
حين يُطرح السؤال عن سر استمرار الحرب في اليمن كل هذه السنوات، يتجه كثيرون إلى البحث في الجغرافيا الوعرة أو في التماسك العقائدي لدى الجماعة، بينما تكمن الإجابة الأدق في مسألة أقل بريقاً وأشد حسماً، هي مسألة الإمداد. فالحروب، في منطق الاستراتيجيا الصارم، لا تُحسم بالشعارات ولا تدوم بالحماسة، وإنما تقوم على سلاسل لوجستية تنقل السلاح والمال والخبرة والتقنية إلى ساحات القتال. وكل قوة مسلحة، مهما بلغ إيمانها بقضيتها، تفقد قدرتها على القتال متى انقطعت عنها هذه السلاسل. وقد قيل منذ القدم إن الجيوش تزحف على بطونها، وهي مقولة تصدق على الميليشيات أشد مما تصدق على الجيوش النظامية، لأن الميليشيات لا تملك قاعدة صناعية ولا موارد سيادية تعوّض بها النقص.
والحوثي، من هذه الزاوية، نموذج صارخ للقوة التي لا تقوم بذاتها. فهو جماعة محدودة العدد والموارد، ولا يملك قاعدة صناعية عسكرية ولا اقتصاداً منتجاً يموّل حرباً طويلة ضد دولة وتحالف ومجتمع بأكمله. ومع ذلك استطاع أن يواصل القتال وأن يطوّر قدراته من أسلحة تقليدية إلى طائرات مسيّرة وصواريخ وأدوات تهديد للملاحة والمنشآت المدنية. ومثل هذا التطور لا يمكن أن يُفسَّر بقدراته الذاتية، بل يشير بوضوح إلى وجود شرايين خارجية تمده بالأدوات والخبرات وتعوّض له ما يستنزفه. ولو لم تكن هذه الشرايين مفتوحة، لما صمدت الحرب أشهراً معدودة.
ومن هنا يتضح أن الطريق الأقصر إلى إنهاء هذه الأزمة لا يمرّ عبر استنزاف الجبهات وحده، بل عبر تجفيف المنابع. فالمعركة الحقيقية تدور في الموانئ والمنافذ والممرات البحرية وشبكات التهريب ومسارات التحويل المالي، أكثر مما تدور في السفوح والوديان. وكل سفينة تُعترض، وكل شحنة تُضبط، وكل شبكة تمويل تُفكَّك، تساوي في أثرها الاستراتيجي مواجهات عسكرية كاملة، لأنها تصيب الجماعة في مركز ثقلها وتحرمها من الأكسجين الذي تتنفس به.
وتتطلب هذه المقاربة، بطبيعة الحال، جهداً متكاملاً لا يقتصر على طرف واحد. فهي تستدعي تنسيقاً أمنياً واستخبارياً وبحرياً بين الحكومة الشرعية وشركائها الإقليميين والدوليين، وتستدعي إرادة سياسية صلبة تنظر إلى المسألة بوصفها قضية أمن إقليمي ودولي لا شأناً يمنياً محلياً. فالتهديد الذي يطال الملاحة الدولية والمنشآت المدنية والأمن الإقليمي لا يجوز أن يُعامل بمنطق إدارة الأزمة، بل بمنطق إنهائها من جذورها.
وحين تُقطع هذه الشرايين، فإن الصورة ستتبدل جذرياً. فالجماعة التي اعتادت التصعيد لأنه كان بلا كلفة ستجد نفسها أمام واقع جديد تتناقص فيه الذخائر وتضعف الخبرة وتتآكل الروح المعنوية. وعندها تنقلب المعادلة: من جماعة تفرض شروطها وتتلاعب بالمفاوضات إلى جماعة تبحث عن مخرج. وقد علّمنا التاريخ أن أمثال هذه التنظيمات لا تأتي إلى السلام عن قناعة، بل عن اضطرار، وأن لحظة الاضطرار هذه هي بالضبط ما تصنعه استراتيجية الحرمان من الإمداد. فمتى انتهى الإمداد انتهى وهم القوة، وأتى الحوثي خاضعاً يطلب السلام الذي طالما استخف به.