قيمة المكتبات الخاصة بين الأمس واليوم.. ورؤية للمستقبل

الكاتب : الحدث 2026-10-21 09:11:40

بقلم ــ محمد العتيّق

تشرفتُ بأن أكون أحد الحاضرين في أمسية ثقافية ثرية من أمسيات ديوانية الحركان، مساء السبت الماضي، التي استضافت الدكتور محمد بن عبدالله المشوح، رئيس جمعية العناية بالمكتبات الخاصة، في لقاءٍ أخذنا إلى عوالم الكتاب، واستحضر قيمة المكتبات الخاصة في حفظ الذاكرة الثقافية والعلمية، وما تمثله من ثروة معرفية تستحق العناية والصون، ورؤية مستقبلية تضمن استمرار أثرها وانتفاع الأجيال القادمة بها.

وقد تناول الدكتور المشوح خلال اللقاء جوانب من تاريخ العناية بالكتاب والمكتبات في المملكة العربية السعودية، مستحضرًا المكانة التي احتلها الكتاب في مسيرة العلم والثقافة، وما أدته المكتبات من دور في حفظ المعرفة وتيسير الوصول إليها. فالكتاب لم يكن يومًا مجرد وعاء للمعلومات، بل كان رفيق العلماء والباحثين، وأداة لنقل التجارب والأفكار، وجسرًا يصل بين الأجيال ويحفظ خلاصة ما أنتجه العقل الإنساني من علم وفكر وأدب.

وتكتسب المكتبات الخاصة أهمية استثنائية؛ لأنها ليست مجرد مجموعات من الكتب المتراصة على الرفوف، بل هي حصيلة سنوات طويلة من الشغف والبحث والاقتناء. فخلف كل مكتبة قصة، وخلف كل مجموعة من الكتب اهتمامات صاحبها وميوله العلمية والفكرية، وربما ضمت بين جنباتها مصادر نادرة وطبعات قديمة ومراجع يصعب العثور عليها في أماكن أخرى. ومن هنا، فإن المكتبة الخاصة تمثل جانبًا من السيرة الفكرية لصاحبها، وشاهدًا على مرحلة من مراحل الحركة الثقافية والعلمية.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا يحدث لهذه المكتبات بعد رحيل أصحابها؟ وكيف نحفظ ما جمعوه خلال أعمارهم من كتب ومراجع ومقتنيات ذات قيمة علمية وتاريخية؟ فكم من مكتبة تكوّنت عبر عقود من الزمن، ثم تفرقت كتبها أو تعرضت للإهمال، فضاع معها جهد كبير كان يمكن أن يستمر نفعه لسنوات طويلة.

إن هذه القضية تستدعي وعيًا أكبر بأهمية توثيق المكتبات الخاصة وفهرستها، والتخطيط لمستقبلها، وإيجاد السبل المناسبة للمحافظة عليها، بما يضمن صون مقتنياتها واستمرار الإفادة منها، مع مراعاة حقوق أصحابها وأسرهم. فالعناية بالمكتبة لا تعني الاحتفاظ بكتبها فحسب، بل تشمل التعريف بمحتوياتها، وحفظها، وتيسير الانتفاع بها وفق الوسائل المناسبة.

وهنا تبرز أهمية الجهود التي تضطلع بها جمعية العناية بالمكتبات الخاصة في تعزيز الوعي بقيمة هذه المكتبات والتعريف بدورها الثقافي والمعرفي. فالمكتبات الخاصة رافد مهم للمكتبات العامة والوطنية، وقد تحتوي على كنوز معرفية تسهم في دعم البحث العلمي، وتوثيق تاريخ المجتمع، وإثراء الدراسات المتخصصة.

وقد أضافت مداخلات الحاضرين بُعدًا تفاعليًا إلى الأمسية، وأكدت أهمية طرح مثل هذه الموضوعات في المجالس الثقافية، حيث تتلاقى الخبرات والتجارب، وتتعدد وجهات النظر، وتتحول المعرفة من حديث يُستمع إليه إلى قضية تستحق النقاش والعمل.

إن رؤيتنا للمستقبل ينبغي ألا تقتصر على الاحتفاء بالمكتبات الخاصة وتاريخها، بل تتجاوز ذلك إلى بناء ثقافة مستدامة للعناية بها، وتشجيع أصحابها على توثيقها، والاستفادة من التقنيات الحديثة في فهرستها والتعريف بمقتنياتها، بما يحفظ هذا الإرث ويجعله أقرب إلى الباحثين والمهتمين. فالمعرفة التي لا تُصنَّف ولا تُوثَّق قد تبقى حبيسة الرفوف، أما المعرفة التي تُحفظ وتُتاح فتتجدد قيمتها مع كل قارئ وباحث.

وفي ختام هذه التأملات، لا يفوتني أن أسجل شهادة تقدير وامتنان لديوانية الحركان، ممثلةً بالأستاذ نزار بن حمد الحركان، على هذه الأمسية الثقافية الثرية، وعلى استضافاتها المميزة لشخصيات علمية وثقافية تثري الحوار وتفتح آفاق المعرفة. والشكر موصول للأستاذ نزار على حسن تقديمه وإدارته الموفقة للقاء، وللدكتور محمد بن عبدالله المشوح، رئيس جمعية العناية بالمكتبات الخاصة، على ما قدمه من إضاءات حول المكتبات الخاصة وقيمتها المعرفية.

فالمكتبات الخاصة ليست ذاكرة الأمس وحده، بل أمانة اليوم ورصيد الغد؛ وصونها وفاءٌ لأصحابها، وحفظٌ لذاكرتنا الثقافية، واستثمارٌ في مستقبل المعرفة والأجيال القادمة.