ذلك الوسيم الجالس هناك
بقلم خليل القريبي
مستشار إعلامي
في مساء ثقافي هادئ، جلست بين الحضور أتابع ندوة أدبية استضاف فيها الصالون الثقافي طفلين يافعين، قدما نفسيهما روائيين يمتلكان رصيدًا من الإصدارات التي أثارت إعجاب الحضور قبل أن يثيرهما العمر الصغير الذي يحملانه؛ كانا يتحدثان بثقة عن شخصيات رواياتهما، وعن تفاصيل الكتابة، وعن الشغف الذي قادهما إلى عالم الأدب في سن مبكرة، حتى بدا المشهد وكأنه رسالة تؤكد أن الموهبة لا تنتظر سنوات طويلة حتى تعلن حضورها. وفي منتصف الحوار، طرحت مديرة الندوة سؤالًا بسيطًا بدا عابرًا في ظاهره، لكنه حمل عمقًا إنسانيًا كبيرًا: من هو الداعم الحقيقي والوحيد في هذه الرحلة؟ وما إن انتهى السؤال حتى التفت الروائيان اليافعان في اللحظة نفسها نحو مقاعد الحضور، وأشارا إلى رجل يجلس بهدوء، وقالا بابتسامة صادقة: ذلك الوسيم الجالس هناك.. كانت الإشارة إلى والدهما، وكانت تلك العبارة القصيرة أكثر بلاغة من أي خطاب طويل عن التربية والدعم وصناعة النجاح.
خرجت من الندوة وأنا أفكر في أن الإنجازات الكبيرة تبدأ غالبًا من بيت آمن، ومن أب أو أم يقرران أن يستثمرا في الحلم قبل أن يؤمن به الآخرون، حيث الموهبة بذرة، والدعم هو الماء الذي يمنحها القدرة على النمو، والبيئة المشجعة هي التربة التي تتحول فيها الأحلام إلى منجزات.
كثيرٌ من الأسر تنشغل بتوفير الاحتياجات المادية لأبنائها، وهي مسؤولية عظيمة، غير أن الاستثمار الحقيقي يمتد إلى بناء الشخصية، واكتشاف الموهبة، وإتاحة الفرصة للتجربة، وتحمل الأخطاء، والاحتفاء بالنجاحات الصغيرة قبل الكبيرة، فالأطفال الذين يجدون من يصغي إليهم، ويقرأ محاولاتهم الأولى، ويشجعهم على الاستمرار، يمتلكون فرصة أكبر لصناعة أثر يستمر سنوات طويلة. ذلك الأب كان الحاضر الأبرز في الندوة، رغم أنه اختار مقعدًا بين الجمهور، وقد تجلت بصمته في كل كلمة نطق بها ابناه، وفي كل فكرة حملاها إلى المنصة، حتى بدا واضحًا أن الروايات كانت ثمرة موهبة، بينما كان هو الجذر الذي منحها فرصة النمو والازدهار.
ولعل أجمل ما بقي في ذاكرتي من تلك الندوة، لم يكن عنوان رواية، ولا عدد الإصدارات، ولا براعة الحديث، وإنما تلك الإشارة العفوية نحو مقاعد الحضور، وذلك الوصف البسيط الذي اختصر حكاية كاملة في ثلاث كلمات: ذلك الوسيم الجالس هناك.