القوة الناعمة… عندما تنتصر الثقافة على السلاح
أ.د. محمد بن علي مباركي
عضو مجلس الشورى وكاتب رأي
ارتبطت قوة الدول عبر التاريخ بما تمتلكه من جيوش وأسلحة وقدرات عسكرية، فيما يُعرف بالقوة الصلبة `Hard Power`. إلا أن العقود الأخيرة أثبتت أن النفوذ لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل يمتد إلى أدوات أخرى أكثر هدوءًا وتأثيرًا، مثل الثقافة، والتعليم، والإعلام، والاقتصاد، والابتكار، وهي ما يُعرف بالقوة الناعمة `Soft Power`.
وقد طرح عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي هذا المفهوم عام 1990، موضحًا أن قدرة الدولة على الجذب والإقناع قد تحقق من النفوذ ما لا تحققه القوة العسكرية. فالدول تؤثر في محيطها والعالم من خلال جامعاتها، وثقافتها، ومنتجاتها، وإنجازاتها العلمية، وقيمها، وصورتها الذهنية، بما يدفع الآخرين إلى التعاون معها عن قناعة لا عن إكراه.
وقد نجحت دول عديدة في توظيف هذا النوع من القوة. فرسّخت اليابان مكانتها عبر الجودة والابتكار، بينما عزّزت كوريا الجنوبية حضورها العالمي من خلال الدراما والموسيقى والسينما، في حين استثمرت فرنسا وبريطانيا في الثقافة والتعليم واللغة، لتصبح هذه العناصر جزءًا من نفوذهما الدولي.
ومع الثورة الرقمية، ازدادت أهمية القوة الناعمة بصورة غير مسبوقة. فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات البث، وتقنيات الذكاء الاصطناعي للدول والمؤسسات الوصول إلى ملايين البشر في مختلف أنحاء العالم، وأصبح التأثير الثقافي والإعلامي ينتشر بسرعة تفوق كثيرًا وسائل النفوذ التقليدية.
غير أن القوة الناعمة لا تُبنى بحملات إعلامية مؤقتة، بل هي حصيلة تراكم طويل من الإنجازات، وجودة التعليم، والابتكار، واحترام القانون، والتنمية الاقتصادية، والمصداقية. لذلك فإن بناء السمعة الدولية يحتاج إلى سنوات، بينما قد يؤدي فقدان الثقة إلى تراجعها في وقت قصير.
ولا تعني القوة الناعمة الاستغناء عن القوة الصلبة، فالدول الأكثر تأثيرًا هي التي تحقق توازنًا بين قدراتها الدفاعية، وقوتها الاقتصادية، وجاذبيتها الثقافية، وهو ما يُعرف بمفهوم القوة الذكية `Smart Power`، الذي يجمع بين مختلف أدوات الدولة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
وفي هذا الإطار، تعمل المملكة العربية السعودية على تعزيز حضورها الدولي من خلال رؤية المملكة 2030، التي أسهمت في توسيع الانفتاح الثقافي، وتطوير السياحة والترفيه، واستضافة الفعاليات العالمية، مثل معرض إكسبو الرياض 2030 وكأس العالم 2034، إلى جانب برامج الابتعاث، والمساعدات الإنسانية التي يقدمها مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، فضلاً عن مشروعاتها الوطنية الكبرى وإنجازاتها في مجالات التحول الاقتصادي والاستدامة، بما يعزز مكانتها الدولية ويجسد جانبًا مهمًا من قوتها الناعمة.
وفي النهاية، لم تعد المنافسة بين الدول تقتصر على امتلاك أقوى الجيوش، بل أصبحت تشمل امتلاك أفضل الجامعات، وأكثر الاقتصادات ابتكارًا، وأقوى الصناعات الثقافية، وأكبر قدرة على التأثير والإلهام. فالقوة العسكرية قد تحمي المصالح، أما الثقافة والعلم والابتكار فتمنح الدول قبولًا وثقة ونفوذًا يدوم. ولهذا فإن الدول التي تنجح في الجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة بحكمة، هي الأقدر على ترسيخ مكانتها وقيادة المستقبل.