التحول الرقمي في الخدمات البلدية والخدمية: بين كفاءة المنصات وتحديات الواقع الميداني ..
بقلم / زيد الحسين
---------------------------------
قراءة في التحديات التشغيلية التي تواجه بعض المعاملات المرتبطة بالبناء والتطوير العقاري، والفرص المتاحة لتعزيز التكامل والحوكمة ورفع كفاءة الإنجاز. تشهد مدينة الرياض طفرة عمرانية وتنموية غير مسبوقة تواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030، وفي الوقت الذي حققت فيه الجهات الخدمية قفزات نوعية في أتمتة الإجراءات وإطلاق المنصات الرقمية مثل منصة بلدي ومنصات الكهرباء والمياه، لا يزال بعض المستفيدين يواجهون تحديات تؤدي إلى تأخر أو تعطل بعض المعاملات المرتبطة برخص البناء وإجراءات التطوير العقاري .
ومن خلال قراءة موضوعية للواقع، يمكن القول إن هذه التحديات لا ترتبط بضعف التحول الرقمي بقدر ما ترتبط بتعقيدات التنسيق بين الجهات المختلفة، وطبيعة الأنظمة الفنية والتنظيمية الحديثة التي تحكم قطاع البناء والتطوير.
ورغم النجاحات الكبيرة التي تحققت في مجال الأتمتة، فإن المرحلة الحالية تتطلب استكمال رحلة التحول من رقمنة الإجراءات إلى تحقيق التكامل الكامل بينها .
أولًا: تحديات التكامل بين الجهات
رغم نجاح معظم الجهات في أتمتة خدماتها الداخلية، إلا أن المعاملات المشتركة التي تتطلب موافقات متزامنة من البلدية والكهرباء والمياه وغيرها من الجهات لا تزال تواجه أحيانًا تأخيرًا في تبادل البيانات وتحديثها بين الأنظمة المختلفة، مما يؤدي إلى تعليق بعض المعاملات لحين استكمال الموافقات المتبادلة.
وتزداد هذه التحديات كلما ارتفع عدد الجهات المشاركة في اتخاذ القرار أو إصدار الموافقة .
ثانيًا: انتقال البيروقراطية إلى البيئة الرقمية
التحول الرقمي الحقيقي لا يقتصر على تحويل المعاملة من الورق إلى الشاشة، بل يتطلب إعادة هندسة الإجراءات نفسها واختصار مراحلها .
وفي بعض الحالات تحولت الدورات المستندية المعقدة من سياقها الورقي إلى سياق رقمي دون إعادة تصميم شاملة للإجراءات، مما أدى إلى انتقال طوابير الانتظار من المكاتب ومراكز الخدمة إلى الأنظمة والمنصات الإلكترونية.
وبمعنى آخر، أصبحت بعض المعاملات تنتقل إلكترونيًا بين الموظفين أو اللجان وتنتظر الاعتماد داخل الأنظمة لفترات طويلة، رغم اختفاء المعاملة الورقية .
ولذلك فإن نجاح التحول الرقمي لا يقاس برقمنة الإجراءات فحسب، بل بمدى قدرة الجهات على تبسيط الإجراءات وتقليل عدد الموافقات والمراجعات المطلوبة لإنجاز الخدمة .
ثالثًا: تحديات تطبيق كود البناء السعودي
أسهم كود البناء السعودي في رفع معايير الجودة والسلامة والاستدامة بشكل كبير، إلا أن دورة إصدار الرخص أصبحت تمر بمراحل تدقيق متعددة تشمل المكتب المصمم والمكتب الفاحص وشركة التأمين ضد العيوب الخفية وغيرها من الجهات ذات العلاقة .
كما أن حداثة بعض الاشتراطات وتشعب تفاصيلها أوجدت تفاوتًا في فهم بعض المتطلبات الفنية بين المكاتب الهندسية والمدققين، مما قد يطيل مدة المراجعة ويزيد من الملاحظات الفنية المتبادلة قبل اعتماد المخططات .
رابعًا: الخدمات غير الاعتيادية
تمثل الطلبات ذات الطبيعة الخاصة أحد أبرز التحديات التشغيلية، إذ تتطلب في الغالب مراجعات فنية وتنسيقًا بين أكثر من جهة وإجراءات ميدانية إضافية قبل اعتمادها، مما يجعل زمن إنجازها أطول من المعاملات الاعتيادية .
ورغم أهمية هذه الإجراءات لضمان سلامة التنفيذ وجودة المخرجات، إلا أن تطوير مسارات أكثر وضوحًا ومرونة لهذه الحالات سيسهم في رفع كفاءة الإنجاز وتحسين تجربة المستفيد .
خامسًا: تعدد الجهات المؤثرة على حركة البناء
في كثير من المشاريع لا تقتصر الموافقات على البلدية فقط، بل تمتد إلى جهات أخرى ترتبط بطبيعة المشروع أو موقعه .
فالدفاع المدني يراجع اشتراطات السلامة والوقاية من الحريق في عدد من المشاريع والمنشآت، كما أن أي إشكالات تتعلق بالصكوك أو بيانات الملكية قد تتطلب معالجة لدى الجهات العدلية قبل استكمال الإجراءات البلدية .
كذلك توجد مناطق ومشاريع تطويرية ذات اشتراطات خاصة، مثل المشاريع الكبرى والنطاقات التطويرية التي تتطلب موافقات إضافية لضمان التوافق مع الهوية العمرانية والمعايير التخطيطية المعتمدة، وهو ما يضيف مراحل مراجعة مستقلة خارج المسار البلدي التقليدي .
وعندما تتجمع هذه العوامل في معاملة واحدة، فإن النتيجة الطبيعية تكون زيادة مدة الإنجاز وتأخر بدء بعض المشاريع أو استكمالها، وهو ما ينعكس على المستثمر والمطور والمواطن على حد سواء.
كيف يمكن معالجة هذه التحديات؟
إذا كانت هذه التحديات تمثل جانبًا طبيعيًا من مرحلة التطوير والتحول، فإن التعامل معها يتطلب تطوير الإجراءات وتعزيز التكامل بين الجهات ضمن الأطر النظامية المعتمدة.
ويأتي في مقدمة ذلك تعزيز الربط المباشر بين المنصات الحكومية المختلفة وتوحيد تبادل البيانات بين الجهات ذات العلاقة، بما يقلل الحاجة إلى الانتظار المتبادل بين الأنظمة ويختصر مدة الإنجاز .
كما أن تطوير الحوكمة وقياس الأداء يمثلان عنصرًا أساسيًا في تحسين جودة الخدمات، إذ لا يكتمل نجاح التحول الرقمي بمجرد توفير المنصات الإلكترونية، بل يتطلب وجود منظومة واضحة لمتابعة مدد الإنجاز وقياس كفاءة الأداء ومعالجة أسباب التأخير بشكل مستمر .
ومن المهم تحديد مدد زمنية واضحة لكل إجراء وخدمة، بحيث تكون معلنة للمستفيد وقابلة للقياس والمتابعة، مع وجود آليات رقابية تكفل المساءلة عند تجاوز المدد المحددة دون أسباب نظامية أو فنية مبررة، وتحديد المسؤولية الإدارية عن التأخير وفق الأنظمة واللوائح المعتمدة، بما يعزز الانضباط ويرفع كفاءة الإنجاز.
كما تبرز أهمية إشراك المستفيدين في تطوير الخدمات من خلال قياس مستوى رضاهم بشكل مستمر، والاستفادة من ملاحظاتهم ومقترحاتهم وتجاربهم العملية في تحسين الإجراءات وتطوير المنصات الرقمية، باعتبارهم الطرف الأكثر احتكاكًا بالتحديات اليومية .
وفي المقابل، ينبغي تحفيز الموظفين والفرق المتميزة وربط الحوافز والترقيات بمعدلات الإنجاز والكفاءة التشغيلية وجودة الخدمة، بما يسهم في خلق بيئة عمل أكثر إنتاجية وقدرة على تحقيق المستهدفات .
ومن الجوانب المهمة كذلك إنشاء وحدات أو إدارات متخصصة لمتابعة المعاملات المشتركة المرتبطة بأكثر من جهة حكومية، تتولى التنسيق المباشر بين الجهات ذات العلاقة وتسريع معالجة المعوقات بدلًا من انتقال المستفيد بين عدة جهات لمتابعة الإجراء نفسه .
كما أن التحديث المستمر للمنصات والأنظمة الرقمية يعد ضرورة ملحة، إذ تظهر بشكل دوري خدمات وحالات جديدة لم تكن موجودة عند تصميم الأنظمة لأول مرة .
ولذلك ينبغي مراجعة هذه الحالات بصورة مستمرة، وتحويل الإجراءات المتكررة منها إلى مسارات إلكترونية واضحة ومؤتمتة داخل المنصات، بما يقلل المعالجات اليدوية ويرفع كفاءة الإنجاز .
ومن الجوانب المهمة أيضًا تبسيط تطبيق الأنظمة وإصدار أدلة تفسيرية أكثر وضوحًا، إلى جانب تكثيف البرامج التأهيلية للمكاتب الهندسية والجهات الفنية لضمان توحيد الفهم وتقليل التباين في تفسير الاشتراطات .
وفي المقابل، فإن رفع جودة المخططات والبيانات الهندسية المقدمة من المكاتب الاستشارية يسهم بشكل مباشر في تسريع الإجراءات وتقليل حالات التعليق أو الرفض الناتجة عن النواقص الفنية أو عدم اكتمال البيانات.
كما كفلت الأنظمة للمستفيدين حق التظلم من القرارات الإدارية أو التأخيرات غير المبررة من خلال القنوات النظامية المعتمدة، بما يضمن حفظ الحقوق وتحقيق العدالة والشفافية .
الخاتمة
حقق التحول الرقمي في المملكة إنجازات كبيرة أسهمت في تحسين مستوى الخدمات الحكومية ورفع كفاءة الإجراءات، إلا أن المرحلة الحالية تمثل انتقالًا من مجرد رقمنة الخدمات إلى تحقيق التكامل الكامل بينها . ومع استمرار تطوير الأنظمة، وتعزيز التنسيق بين الجهات، وتبسيط الإجراءات، ورفع مستوى الحوكمة والمساءلة، وربط الأداء بمؤشرات الإنجاز الفعلية، والاستفادة من آراء المستفيدين، والتحديث المستمر للخدمات والمنصات، ستصبح رحلة المستفيد أكثر سرعة ووضوحًا وكفاءة، بما يدعم البيئة الاستثمارية ويرفع جودة الحياة ويواكب الطموحات الكبيرة لرؤية المملكة 2030 .