|

كاد المعلم أن يكون رسولاً

الكاتب : الحدث 2026-06-14 07:53:36

بقلم ــ محمد العتيق


أحسن الشاعر الكبير أحمد شوقي حينما مدح المعلم في قصيدته المشهورة، ومن أبياتها الخالدة قوله: 
قم للمعلم وفِّه التبجيلا .. كاد المعلم أن يكون رسولاً

فلم يكن شوقي يطلق بيتاً من الشعر فحسب، ولم يكن يبحث عن صورة بلاغية جميلة يتغنى بها الناس، بل كان يصف حقيقة عظيمة أدركتها الأمم والحضارات عبر التاريخ، وهي أن المعلم صاحب رسالة سامية، ومكانة رفيعة، وأثر ممتد لا ينتهي بانتهاء يوم دراسي أو عام دراسي، بل يبقى أثره حاضراً في حياة الأفراد والمجتمعات والأمم.
فالمعلم هو صانع الأجيال، وباني العقول، ومهندس المستقبل الحقيقي.
تعلم آباؤنا على أيدي المعلمين، وتعلمنا نحن على أيديهم، وسيتعلم أبناؤنا وأحفادنا على أيديهم من بعدنا .
وما من طبيب يعالج المرضى، أو مهندس يشيد المباني، أو ضابط يحفظ الأمن، أو قاضٍ يقيم العدل، أو طيار يقود الطائرات، أو أديب يكتب، أو مفكر ينير العقول، إلا وكان خلفه معلم بذل من وقته وجهده وعلمه حتى أوصله إلى ما هو عليه .

ولو تأملنا واقع الحياة لوجدنا أن المعلم حاضر في كل تفاصيلها؛ فهو الذي يعرّف الطالب بالحرف الأول، ويعلمه القراءة والكتابة، ويقوده نحو المعرفة والعلم، ثم يواصل بناء شخصيته وتعزيز قدراته عاماً بعد عام حتى يصبح عضواً نافعاً في مجتمعه ووطنه.
ولذلك فإن أثر المعلم لا يقف عند حدود الفصل الدراسي، بل يمتد إلى كل بيت وكل مؤسسة وكل منجز نراه من حولنا .
ولا شك أن وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية تبذل جهوداً كبيرة ومقدرة في تطوير التعليم، وتحسين البيئة التعليمية، وتوفير الإمكانات التي تسهم في رفع جودة المخرجات التعليمية .
وما نشهده من تطور في المناهج والبرامج والمشروعات التعليمية يعكس حرص القيادة الرشيدة ووزارة التعليم على الارتقاء بهذا القطاع الحيوي الذي يمثل أساس التنمية وبناء الإنسان .
ومع هذا التقدير الكبير للجهود المبذولة، فإن الحديث عن المعلم واحتياجاته المهنية يظل حديثاً مشروعاً وضرورياً؛ لأن نجاح العملية التعليمية يرتبط ارتباطاً مباشراً براحة المعلم واستقراره وقدرته على العطاء.
فالمعلم لا يؤدي مهمة روتينية محدودة، بل يحمل مسؤولية يومية تتطلب حضوراً ذهنياً وفكرياً وتربوياً متواصلاً .
ومن الموضوعات التي يمكن مناقشتها بهدوء وموضوعية مسألة الحضور والانصراف وآلياتها المختلفة .
فالمعلم يؤدي حصصه اليومية، ويتابع طلابه، ويصحح أعمالهم، ويشارك في الأنشطة والبرامج المدرسية، ويقوم بأدوار متعددة داخل المدرسة .
ومن هنا قد يكون من المناسب دراسة بعض المقترحات التي تمنح المعلم مزيداً من المرونة بعد انتهاء مهامه التعليمية المباشرة، بما يسهم في رفع مستوى الرضا الوظيفي ويعزز من جودة الأداء داخل الميدان التربوي 

ومن الجوانب التي تستحق التأمل كذلك أن المعلم ليس موظفاً تقاس إنتاجيته بعدد الساعات التي يقضيها داخل مقر العمل بقدر ما تقاس بما يقدمه من أثر تعليمي وتربوي، وما يحققه من نتائج وإنجازات.
فليس من المنطقي أن يضطر المعلم أو المعلمة إلى البقاء في المدرسة ساعة أو ساعتين أو أكثر بعد انتهاء اليوم الدراسي وانصراف الطلاب والطالبات لمجرد استكمال عدد معين من الساعات، في وقت تكون فيه مهامه التعليمية المباشرة قد أُنجزت على الوجه المطلوب.
إن العملية التعليمية ليست عملاً مكتبياً تقليدياً، بل هي رسالة تتطلب جهداً ذهنياً ونفسياً متواصلاً، ويظل أثرها ممتداً حتى خارج أسوار المدرسة .
فالمعلم الناجح لا ينتهي عمله بانتهاء الحصة الدراسية، بل يواصل التفكير في تطوير أساليبه التعليمية وإعداد دروسه، والبحث عن الوسائل التي تعينه على إيصال المعلومة بصورة أفضل؛ كما أن كثيراً من الجهد الذي يبذله المعلم لا يظهر داخل الفصل الدراسي فقط، بل يسبق الحصة ويتبعها.
كما أن إلزام المعلم بالبقاء بعد انتهاء أعماله التعليمية، أو اضطراره إلى الانتظار لفترات طويلة حتى يستكمل عدد الساعات المطلوبة، يمثل عبئاً إضافياً، خاصة خلال فترات الصيف وارتفاع درجات الحرارة .
وقد يضطر بعض المعلمين إلى البقاء في المدرسة دون وجود مهام تعليمية مباشرة تستدعي ذلك، وهو ما قد يؤدي إلى استنزاف جزء من طاقتهم وجهدهم دون أن ينعكس بالضرورة على جودة العملية التعليمية .
ومن هنا فإن منح المعلم قدراً أكبر من المرونة بعد انتهاء مهامه الأساسية قد يسهم في تعزيز رضاه الوظيفي، ويمنحه مساحة أفضل للراحة واستعادة النشاط والاستعداد لليوم الدراسي التالي.
فكلما كان المعلم أكثر راحة واستقراراً، كان أكثر قدرة على الإبداع والابتكار والعطاء داخل الفصل الدراسي، وهو ما ينعكس في النهاية على مصلحة الطالب وجودة التعليم .

إن الاستثمار الحقيقي في التعليم يبدأ بالاستثمار في المعلم، وتوفير البيئة التي تساعده على أداء رسالته بأفضل صورة ممكنة .
فالمعلم هو الركيزة الأساسية في العملية التعليمية، وإذا كان الجميع يتفق على أهمية الطالب، فإن الطريق إلى الطالب يمر أولاً عبر المعلم ،وكل دعم يقدم للمعلم هو دعم مباشر لمستقبل الأجيال القادمة .
وقد أتيحت لي فرصة التعامل مع الطلاب من خلال عدد من البرامج والدورات التدريبية، ورغم أن تلك التجربة كانت محدودة مقارنة بما يقدمه المعلمون والمعلمات يومياً، إلا أنها جعلتني أدرك جانباً من حجم الجهد والمسؤولية التي يتحملونها .
فالتعامل مع الطلاب، وإيصال المعلومة لهم، والمحافظة على تركيزهم وتفاعلهم، مهمة تحتاج إلى صبر وخبرة وجهد كبير .

ولهذا فإن أقل ما يمكن أن نقدمه للمعلمين والمعلمات هو التقدير والاحترام والدعاء لهم فهم أصحاب رسالة نبيلة، وحملة علم، وصناع أجيال، وبناة مستقبل .ومهما كتبنا أو تحدثنا عن فضلهم فلن نوفيهم حقهم؛ فهم الذين تعلم منهم من سبقنا، وتعلمنا منهم نحن، وسيتعلم منهم من يأتي بعدنا، وسيبقى أثرهم ممتداً ما بقي العلم وما بقي الإنسان.