المحتوى الهابط … حين يصبح التأثير أخطر من الترفيه
بقلم: باسمة الضويمر
لم يعد المحتوى الذي يُقدَّم عبر المنصات المباشرة ووسائل التواصل الاجتماعي مجرد مادة ترفيهية عابرة، بل أصبح أحد أبرز المؤثرات التي تُشكّل الوعي وتعيد صياغة الأفكار والمواقف، خصوصًا لدى فئة المراهقين والشباب الذين لا يزال وعيهم في طور التكوين.
ومع الانتشار الواسع للبثوث المباشرة والشيلات والمقاطع القصيرة، برز نوع من المحتوى يُقدَّم أحيانًا في إطار الترفيه أو المزاح أو الفخر، لكنه يحمل في مضمونه رسائل تُعيد إنتاج العصبية والتمييز والتفاخر السلبي بصورة غير مباشرة. فبعض العبارات التي تُقال بعفوية أو بدافع الإثارة قد تتحول مع التكرار إلى مفاهيم راسخة وسلوكيات تُغذي الانقسام داخل المجتمع.
ولم تعد بعض المواد المعروضة تُقدَّم بهدف الفائدة أو الوعي، بل أصبحت تُنتج أحيانًا فقط من أجل الشهرة السريعة وجذب المشاهدات والتفاعل، حتى وإن قامت على الإثارة أو السخرية أو إثارة الجدل. ومع كثافة التعرض لهذا النوع من المحتوى، يصبح الفراغ الفكري أمرًا معتادًا، ويتحول السطحي إلى مؤثر، بينما يتراجع المحتوى الواعي أمام ثقافة الانتشار السريع.
إن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في الرسائل الصريحة، بل في ذلك النوع “الناعم” من المحتوى الذي يتسلل إلى العقول بهدوء، حتى يصبح مألوفًا ومقبولًا مع الوقت. فالكلمة التي تُقال على سبيل المزاح اليوم، قد تتحول غدًا إلى قناعة، ثم إلى سلوك يُمارَس دون إدراك لحجم أثره.
كما أن طبيعة المنصات المباشرة تقوم على سرعة الانتشار والتفاعل الفوري، مما يدفع بعض صناع المحتوى إلى البحث عن الإثارة أو الجدل كوسيلة أسرع للوصول والشهرة، حتى وإن كان ذلك على حساب القيم الاجتماعية أو الاحترام المتبادل. وهنا تصبح المشاهدات والتفاعل أحيانًا أهم من نوعية الرسالة المقدمة وتأثيرها طويل المدى.
والمراهق غالبًا لا يمتلك القدرة الكاملة على تحليل الرسائل الخفية التي يتعرض لها بشكل متكرر، فيتأثر بالإيقاع والتفاعل والشهرة والقبول الاجتماعي، أكثر من انتباهه إلى المعاني العميقة التي يحملها المحتوى. ومع الوقت قد تتشكل بعض الأفكار بصورة تدريجية وناعمة، حتى تصبح جزءًا من طريقة النظر إلى الآخرين والتعامل معهم.
ولا يقتصر أثر هذا النوع من المحتوى على الأفراد فقط، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله، حين يبدأ في تطبيع السخرية والإقصاء والتنميط، ويُضعف قيم الاحترام والتعايش التي تُعد أساس أي مجتمع متماسك. فالمجتمعات لا تتفكك فجأة، بل تبدأ بالتآكل حين تصبح الكلمات الجارحة أمرًا معتادًا، وحين يُقدَّم الخطاب السلبي في صورة مقبولة أو مسلية.
ومن هنا يصبح دور الأسرة أكثر أهمية من أي وقت مضى، ليس بالمنع والرقابة فقط، بل بالحوار والتوعية وتعزيز التفكير النقدي لدى الأبناء، حتى يتمكنوا من التمييز بين الترفيه البريء، وبين المحتوى الذي يحمل رسائل سلبية تُعيد إنتاج الكراهية والعصبية بصورة غير مباشرة.
كما تتحمل المؤسسات التعليمية والإعلامية مسؤولية كبيرة في تعزيز الوعي الرقمي وغرس قيم الاحترام وقبول الآخر، لأن معركة المجتمعات الحديثة لم تعد فقط في الواقع، بل أيضًا فيما يُبث يوميًا إلى العقول عبر الشاشات والمنصات المباشرة.
إن حماية الوعي اليوم لا تقل أهمية عن حماية الأمن والقيم، لأن أخطر التأثيرات ليست دائمًا تلك التي تُفرض بالقوة، بل تلك التي تتسلل بهدوء حتى تُغيّر طريقة التفكير وتُعيد تشكيل القناعات دون أن يشعر الإنسان.