عندما تتكلم الأرقام عن الجودة
د. طلال الحربي
قبل أن تضع يدك على أي منتج في السوق السعودية، ثمة جهة كانت هناك قبلك؛ فحصت، وقاست، وحكمت. لا تجدها في الواجهة، ولا تسمع صوتها في الضجيج الإعلاني، لكنها حاضرة في الخبز الذي تأكله، وفي العداد الذي يقيس استهلاكك، وفي الجهاز الذي يُضيء منزلك. الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة هي هذا الحارس الصامت الذي لا يعرفه كثيرون بالاسم، لكنهم يعيشون في ظل حمايته كل يوم.
لا تحكم على هيئة بشعارها، بل احكم عليها بما تغيّر في الواقع. وحين تنظر إلى مسيرة هذه الهيئة في السنوات الأخيرة، تجد رقماً واحداً يختصر الكثير: معدل مطابقة المنتجات المتداولة في الأسواق السعودية قفز من 57.3% عام 2016 إلى 84.20% بنهاية عام 2024. هذا ليس تحسناً هامشياً في سجل إداري، بل هو تحوّل حقيقي في ما يصل إلى يد المستهلك على امتداد هذه المملكة الواسعة التي تستقبل البضائع من كل أصقاع الأرض.
ولعلّ أبرز ما أنجزته الهيئة على درب التحول الرقمي هو منصة “سابر”، التي باتت البوابة الإلكترونية الصامدة أمام كل منتج يسعى إلى دخول السوق. أكثر من 7.5 مليون منتج مسجّل، وما يزيد على 5 ملايين شهادة مطابقة وإرسالية صادرة؛ أرقام تكشف حجم العمل الهائل الذي يجري خلف الكواليس، بعيداً عن أضواء التغطيات الصحفية.
غير أن ما يميّز فلسفة الهيئة عن كثير من نظيراتها هو إدراكها أن الغش لا يقتصر على المنتجات فحسب، بل يمتد إلى أدوات القياس ذاتها. فحين يتلاعب ميزان أو تُحرَّف مضخة وقود، يُغش المواطن في صمت دون أن يعلم. من هنا جاءت مبادرة “تقييس” للمعايرة القانونية لتُحكم قبضتها على هذا الجانب؛ فخضعت للمعايرة 83,428 مضخة وقود، و23,415 ميزاناً، وأكثر من 2.1 مليون عداد كهرباء، و278,384 عداد مياه. وراء هذه الأرقام الجافة رسالة واحدة واضحة: لن يُغبن أحد في هذه الأرض.
ثم إن الهيئة لم تنظر إلى الجودة باعتبارها سلاحاً في وجه المستورد وحده، بل فتحت ذراعيها للمصنّع السعودي أيضاً، مؤمنةً بأن تعزيز الصناعة الوطنية يبدأ من داخل المصنع لا من عند بوابة الميناء. فمنذ عام 2022 أطلقت مبادرة لدعم المنشآت الصناعية المحلية وتمكينها من البنية التحتية للجودة، تضمّنت 150 برنامجاً للاستشارات والتوعية، إلى جانب خطة طموحة لتطوير مختبرات فحص ومعايرة وطنية تخدم الصناعات الأساسية والغذائية والدفاعية.
ولأن المؤسسة لا تقوم إلا بأناسها، استثمرت الهيئة في بناء الكفاءة البشرية لدى الجهات الحكومية الشريكة. في مرحلتين متتاليتين من برنامج بناء القدرات المؤسسية، انخرطت 14 جهة حكومية ثم 19 جهة، وتدرّب على يد متخصصين أكثر من 5,700 مشترك، في مشهد يعكس رؤية مؤسسية ناضجة تؤمن بأن الجودة ثقافة قبل أن تكون اشتراطاً.
في نهاية المطاف، حين يرى المستهلك علامة المطابقة السعودية على منتج ما، فهو لا يرى مجرد ختم روتيني أُنجز في دهاليز البيروقراطية. هو يرى حصيلة عمل هيئة تؤمن برسالتها وتُترجمها يومياً إلى إجراءات ومعايير ومختبرات ومفتشين. وهذا بالضبط ما تعنيه الريادة في منظومة الجودة: أن تكون الثقة مكتسبة لا موهوبة.