|

حين تُقرر الرفقة… من تكون

الكاتب : الحدث 2026-03-31 07:11:44

بقلم ــ باسمه الضويمر


ليست قراراتنا وحدها من تصنعنا… بل من نصاحب.
الرفقة التي تصنع الطريق
نحب أن نعتقد أننا نملك زمام أنفسنا بالكامل، وأننا نسير وفق قناعاتنا المستقلة، لكن الحقيقة الأكثر صدقًا أن الرفقة تُعيد تشكيلنا بصمت. تُهذّبنا أحيانًا، وتُشوّهنا أحيانًا أخرى، دون ضجيج، ودون أن ننتبه.
الرفقة ليست تفصيلًا في الحياة… بل هي من أهم قراراتها المصيرية.
فكم من إنسانٍ كان على طريقٍ مستقيم، فغيّرته رفقة استهانت بالقيم، وكم من آخر كان تائهًا، فأعادته صحبة صالحة إلى ذاته، بل إلى ربه. بين هذين النموذجين، تتضح خطورة الاختيار؛ لأن أثر الرفقة لا يكون مؤقتًا، بل يتراكم حتى يُعيد صياغة الإنسان من الداخل.
الرفقة التي تستحق أن تُسمّى كذلك، ليست تلك التي تُشاركك الوقت، بل التي تُنقذ عمرك من الضياع. هي التي لا تسمح لك أن تهبط طويلًا، ولا تُطبطب على أخطائك حتى تتضخم، بل تُمسك بيدك، وتُعيدك إلى الطريق، ولو بكلمة صادقة.
هي الرفقة التي تُشبه النور… لا تبهرك فقط، بل تُريك الطريق.
وفي زاويةٍ أكثر حساسية، يقف أبناؤنا أمام مفترقٍ لا يقل خطورة. فهم لا يعيشون في فراغ، بل في عالمٍ مفتوح، تتعدد فيه المؤثرات، وتتنافس فيه الرفقات على عقولهم وقلوبهم. وهنا، لا يكفي أن نقول لهم: “احذروا”، بل يجب أن نُعلّمهم: “كيف يختارون”.
التربية الحقيقية لا تقوم على المنع وحده، بل على بناء الوعي. على أن نُنشئ في داخلهم ميزانًا يزن الأشخاص قبل أن ينجذب إليهم. أن نُقرّبهم من البيئات التي تُنبت فيهم القيم، لا تلك التي تسرقهم بهدوء.
أن نكون قريبين منهم بما يكفي لنفهمهم، لا لنُراقبهم فقط. أن نصادقهم قبل أن نخشى عليهم. أن نُشعرهم أن الرجوع إلينا أمان، لا محاسبة.
فكم من ابنٍ لم يُفسده الطريق… بل أفسدته رفقة الطريق.
وكم من ابنٍ نجا، لا لأنه أقوى، بل لأن يدًا واعية دلّته على من يُعينه.
إن أخطر ما في الرفقة السيئة، أنها لا تأتيك كخطر، بل كمتعة. تضحكك، تُخفف عنك، ثم تُغيّر اتجاهك دون أن تشعر. بينما الرفقة الصالحة قد تبدو أقل صخبًا… لكنها الأكثر أثرًا، والأبقى امتدادًا.
في النهاية، نحن لا نعيش الحياة وحدنا… بل نعيشها بمن نُدخلهم فيها.
فاختر بعناية…
لأن بعض الرفقات لا ترافقك في الطريق فقط، بل تُحدد وجهتك.
ولأن الطريق إلى الفردوس الأعلى، لا يُصنع بخطوةٍ فردية، بل برفقةٍ ترفعك كلما تعثّرت، وتُذكّرك كلما نسيت، وتُعينك حتى تصل .