وطن يؤسس للإبداع
د . طلال الحربي
لم يكن مفاجئاً لمن يتابع مسيرة التحول في المملكة، لكنه كان بشرى تستحق الوقوف عندها. الأمر الملكي بتأسيس جامعة الرياض للفنون يُترجم قناعة راسخة لدى القيادة: الإبداع ليس هامشاً في حياة الأمم، بل هو في صميمها.
نحن أمام مرحلة تختلف جوهرياً عما سبقها. المملكة التي عرفها العالم عقوداً من خلال ثرواتها الطبيعية، تعيد اليوم تعريف نفسها بأدوات مختلفة بالإنسان الذي يفكر ويصنع ويُبدع. وجامعة متخصصة في الثقافة والفنون، تعمل باستقلالية تامة تحت إشراف وزارة الثقافة، ليست مجرد مؤسسة تعليمية جديدة تُضاف إلى القائمة هي إعلان عن أولويات مرحلة.
سمو وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، الذي يتولى رئاسة مجلس أمناء الجامعة، رفَع شكره لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ولولي العهد الأمير محمد بن سلمان على الرعاية غير المسبوقة للقطاع الثقافي، ووضع الجامعة في سياقها الصحيح ليست وليدة اللحظة، بل هي ثمرة متأنية من ثمار الاستراتيجية الوطنية للثقافة التي تبنيها المملكة بصبر ووضوح. رسالة سموه كانت جلية: نريد سعودياً يمتلك أدوات الإبداع وينطلق منها إلى العالم بهويته كاملة.
وزير التعليم الدكتور يوسف البنيان أضاف بُعداً مهماً حين تحدث عن الجامعة باعتبارها انعطافة في مسار التعليم العالي، لا مجرد إضافة كمية. الفارق بين كلية فنون داخل جامعة شاملة وبين مؤسسة مستقلة مكرّسة للإبداع فارق حقيقي في العمق والتخصص والقدرة على بناء بيئة تحفّز الموهبة بدلاً من أن تستوعبها فحسب. ومن يقرأ مستهدفات رؤية 2030 بتمعن يدرك أن الصناعات الإبداعية باتت رقماً اقتصادياً لا يمكن تجاهله، وأن تأهيل الكوادر الوطنية في هذا المجال ضرورة لا رفاهية.
ما يُميّز هذه الجامعة أنها ستنفتح على العالم دون أن تذوب فيه. الشراكات الأكاديمية المرتقبة مع مؤسسات دولية مرموقة ستمنحها نافذة على أفضل تجارب التعليم الفني والثقافي عالمياً، بينما يبقى جوهرها متجذراً في الهوية السعودية ومشغولاً بتصديرها للعالم بلغة الإبداع. وهذا التوازن، إن تحقق، سيجعلها نموذجاً يُحتذى لا مجرد صورة مكررة عن تجارب الآخرين.
الثقافة لم تكن يوماً ترفاً يُدّخر لزمن الوفرة. هي الوفرة نفسها حين تنضج وتعرف كيف توجّه نفسها. والأمم التي أدركت هذه الحقيقة مبكراً هي من كتبت التاريخ وأثّرت في مسار الحضارة. المملكة اليوم، بهذا القرار وبما يسبقه ويعقبه من مبادرات، تؤكد أنها تسير في هذا الإتجاه بخطى واعية ومدروسة. وجامعة الرياض للفنون ستكون، بإذن الله، المكان الذي يجد فيه كل موهبة سعودية بيتها الأكاديمي الذي تستحقه.