علمنا.. يرفرف
د طلال الحربي
حين ترى العلم السعودي يرفرف، شيء ما يتحرك بداخلك قبل أن يتحرك عقلك. ليس لأنك تعلّمت أن تحبه، بل لأنك نشأت وهو جزء من المشهد اليومي فوق المدارس، على واجهات المباني، في أيدي الأطفال يوم العيد. كبرنا معه ولم نتوقف كثيراً لنسأل: ماذا يعني هذا العلم فعلاً؟
يوم العلم السعودي الذي تحتفل به المملكة في الحادي عشر من مارس من كل عام ليس مناسبة للزينة وحدها. هو دعوة للتأمل. دعوة لنقف لحظة أمام هذا الراية الخضراء التي تحمل كلمة التوحيد والسيف، ونفكر في كل ما تختزنه من معنى ومن تاريخ ومن هوية.
اللون الأخضر وحده يكفي ليحكي. في الجزيرة العربية التي عرفت قسوة الصحراء وشُح الماء، لم يكن الأخضر مجرد لون كان حلماً. وحين اختارت المملكة أن يكون لون علمها، كانت تقول شيئاً عن نفسها: هذه أرض الحياة، أرض الإيمان، أرض تنبت فيها الأشياء الطيبة حتى حين تشحّ الأسباب. وفوق هذا الأخضر، الشهادة التي يؤمن بها كل من وقف على هذه الأرض، وتحتها سيف يحمي يحمي الكلمة قبل أن يحمي الحدود.
ما يجعل هذا العلم مختلفاً عن كثير من أعلام العالم أنه لم يولد في غرفة سياسية أو على طاولة مفاوضات. ولد من صلب عقيدة وهوية وإرادة، وهذا ما يجعله أثقل من أن يكون مجرد رمز هو تعبير عن الروح التي تجمع هذا الشعب وتجعله شعباً واحداً رغم اتساع الأرض وتنوع أهلها.
اليوم، ونحن نحتفل بيوم العلم، نحن نحتفل بأنفسنا. بهويتنا المشتركة التي لا تتغير مهما تغيرت الظروف. ونحتفل بتلك الرابطة غير المرئية التي تجمعنا بقيادتنا قيادة ترى في هذا العلم التزاماً لا مجرد شعار، وتعمل كل يوم لأن يرفرف هذا العلم فوق بلد يستحق ما يرمز إليه.
الالتفاف حول القيادة لا يحتاج خطباً كثيرة. يكفي أن ترى ما أُنجز في سنوات قليلة، وأن تقارنه بما كان قائماً، وستجد أن الثقة التي يمنحها الشعب السعودي لقيادته مبنية على شيء حقيقي يُرى ويُلمس. مشاريع تتحول من ورق إلى واقع، ومدن تتجدد، وفرص تُفتح لجيل كان يحلم بها، وصوت للمملكة في العالم يُسمع ويُحترم.
حين يرفع الطفل العلم بيده في هذا اليوم، هو لا يعرف كل هذا بالضرورة. لكنه يشعر بشيء أصيل أنه ينتمي. وهذا الشعور بالانتماء هو الأثمن على الإطلاق، لأنه لا يُورَّث بالقرارات ولا يُصنَّع بالحملات، بل ينمو ببطء في قلب إنسان عاش في بلد يحترمه ويرعاه.
يوم العلم يذكّرنا بأن الوطن ليس جغرافيا فقط. الوطن هو ذلك الشيء الذي يجعلك تشعر أنك في مكانك الصحيح، بين ناسك، تحت سماء تعرفها. والعلم هو أجمل تعبير مرئي عن هذا الشعور الذي يصعب شرحه بالكلمات لكنك تعرفه فوراً حين تحسّ به.