|

يوم التأسيس… تاريخ الماضي ومستقبل الوطن

الكاتب : الحدث 2026-02-22 12:49:46

بقلم: حسن المباركي
————————
ليس يومُ التأسيس مجرّد تاريخٍ يُستعاد، بل هو معنى يتجدّد في الوجدان، وذاكرةُ وطنٍ تعلِّمُ كيف يحوّل الفوضى إلى نظام، والخوف إلى طمأنينة، والتِّيه إلى هُدى.

إنّه اليوم الذي نقرأ فيه جذور الحكاية الأولى، ليس لمجرد الفخر، بل لفهم كيف يُصنع الوطن حين تتلاقى الإرادة مع القيم، وتُعقَد العزائم على بناء المستقبل من رحم المعاناة.

قبل أكثر من ثلاثةِ قرونٍ وُلِد الحلمُ الكبير، حلمُ دولةٍ اجتمعت على العقيدة، وقامت على العدل، وترسّخت في وجدان أبنائها، وجعلت تضحياتُ الأجداد واقعًا، وسقوه من أرواحهم، حتى غدا وطنًا ثابتَ الأركان، ممتدَّ الأثر.

ومن الدرعية، حيث بدأ الضوء يشقُّ عتمة التفرّق، تشكّلت ملامح الدولة الأولى، فكان التأسيس مشروعَ استقرارٍ قبل أن يكون مشروعَ توسّع، وكان بناءَ إنسانٍ قبل أن يكون بناءَ عمران، التفَّ الناس حول قيادةٍ أدركت أن وحدة الصف هي صمّام الأمان، وأن قوة الدولة في عدلها، وفي رسوخ مرجعيتها، وفي تماسك مجتمعها.

لقد كان يوم التأسيس انتقالًا من حال الشتات إلى نظام الدولة، ومن التنازع إلى الاجتماع، ومن الاضطراب إلى الأمن، ولم يكن ذلك التحوّل وليد لحظة، بل ثمرة وعيٍ سياسي واجتماعي عميق، جعل من الحكم مسؤولية، ومن القيادة أمانة، ومن خدمة الناس مقصدًا أصيلًا.وهكذا وُلدت دولةٌ تحمل رسالة استقرار في محيطٍ متقلّب، وتقدّم نموذجًا في التوازن بين الأصالة والتجديد.

وعبر تعاقب الدولتين الثانية والثالثة، ظلّ الخيط التاريخي متصلًا، فالفكرة التي أُسِّست في الدرعية لم تنطفئ، بل بقيت حيّةً في الوجدان، حتى أعاد الملك عبدالعزيز –طيب الله ثراه– توحيد الكيان، فجمع الشتات، ورسّخ دعائم دولةٍ حديثةٍ تستند إلى جذورٍ عميقة. 

ومنذ ذلك الحين، تتوالى مسيرة البناء، جيلًا بعد جيل، في ملحمةٍ وطنيةٍ عنوانها الثبات على المبادئ، والانفتاح الواعي على العصر.

ويحمل يوم التأسيس بُعْدًا ثقافيًا لا يقلّ أهمية عن بُعْدِه السياسي؛ فهو احتفاءٌ بالهوية السعودية في لباسها، ولغتها، وتراثها، وفنونها، وقيمها الاجتماعية... 

وليس الاحتفاء بيوم التأسيس استدعاءً للماضي بوصفه زمنًا منتهيًا، بل هو استدعاءٌ للوجدان الوطني الذي صاغ الشخصية السعودية، التي تعتز بدينها، وتحترم تاريخها، وتؤمن بأن الوطن مسؤولية مشتركة، واستحضارٌ لقيم التأسيس بوصفه مشروعًا مستمرًا، فكما بُنيت الدولة الأولى على مركزية الإنسان قبل المكان، وعلى ترسيخ الأمن قبل الامتداد؛ فإن تحديات اليوم تُعيد طرح السؤال نفسه: كيف نصون المنجز؟ وكيف نحوّل الذاكرة إلى وعيٍ منتج؟

 إن استدامة الدولة لا تقوم على قوة السلاح وحده، بل على قوة الفكرة، وعلى وعي المواطن بدوره في حماية المكتسبات، وصناعة التحوّلات، وتحمّل مسؤولية المشاركة في صناعة المستقبل.

واليوم، في ظل رؤيةٍ وطنيةٍ واعدة، يتحوّل استحضار التأسيس إلى طاقة عمل، فالماضي ليس محطة وقوف، بل مصدر إلهام، نستمدّ منه الثقة بأن هذه الدولة قادرةٌ على صناعة التحوّل كما صنعت الاستقرار، وقادرةٌ على أن تكون شريكًا فعَّالًا في الحضارة الإنسانية، كما كانت دائمًا ركيزة أمنٍ ونماء في محيطها.

إن يوم التأسيس يعلّم الأجيال أن الوطن يُبنى بصبر أبنائه وعزيمتهم، ويُحمى بالولاء، ويُنمَّى بالعمل، وهو رسالة بأن الحلم الذي بدأ قبل ثلاثة قرون لم يكن حلم جيل واحد، بل مسيرة شعب بأكمله؛ شعب أدرك أن المجد لا يُصنع في لحظة، بل يُصاغ عبر الزمن بالصبر والإيمان والعزيمة، ويظل المجد رصيدًا للأجيال وعِزًّا ووفاءً للرجال الذين حملوا الراية  وواصلوا بناء الوطن بكل إخلاص وشجاعة.

من هذه الأرض انطلق الحلم، وعلى هذا الأساس استمرّ، وإلى الغد يمضي وطنٌ يعرف جذوره ويؤمن بمستقبله.

وهكذا يظل يوم التأسيس منارةً للوعي، ومشعلًا للإرادة، ومرجعًا لكل من يريد أن يعرف كيف يُصنع الوطن ويُحفظ، وإنه ليس مجرد تاريخ يُستعاد، بل رسالة حية لكل جيل، تعلِّمه أن الانتماء لا يُصنع بالكلمات والعبارات، بل بالعمل والتضحيات، وأن استمرارية الوطن تقوم على العزيمة والإيمان والصدق في خدمة الناس.

ومن هذه الأرض التي حملت الحلم الكبير، يستمد الشعب قوته اليوم، ليكتب غدًا أفضل، ويؤكد أن الوطن مهما تعاقبت عليه العصور، سيبقى رمزًا للفخر والثبات، ومصدرًا للأمل لكل رجال يسعون ببصيرة وعزيمة، إلى رفعة مجده واستدامة عطائه ورفعته.