السرقات الثقافية التقنية جرائم أدبية وانتهاكات قانونية

بقلم ــ علي بن أحمد الزبيدي
----------------------
تعد ظاهرة السرقات الثقافية التقنية امتدادًا للسرقات الأدبية التي كانت تحدث في الماضي بين الأدباء والمثقفين ، وتتشارك معها في السبب والنتيجة ، فالمتأمل لهذه الظاهرة يجد أنّها لم تختلف عن سابقتها سوى بالطريقة ، فسابقاً كانت السرقات تحدث من خلال النسخ والكتابة ، وأحيانًا المشافهة كقصة ذلك الشاعر الذي قتل منافسه وجمع بين السرقة والقتل، وأما السرقة في عصرنا الحاضر فقد أصبحت الآن تحدث من خلال النسخ واللصق والنشر الإلكتروني ، وقبل الحديث عن هذه الظاهرة يجب التعريف بها وهي ( استخدام أفكار الآخرين وآرائهم وإبداعاتهم، عن قصد أو غير قصد، وعدم الإشارة إلى أصحابها الأصليين ، ونسبتها للشخص الذي استخدمها ، وعدم مراعاة الحقوق الفكرية ، والشروط الخاصة بالاقتباس ) ،
إنّ السرقة الثقافية لم تعد محصورة في سرقة الفكرة ، بل تعدى ذلك لتصل إلى سرقة المفردات والألفاظ دون تغيير، ، أو سرقة الأسلوب حتى أنّ البعض يلبس ثوبًا ليس ثوبه رغم قناعته بعدم مناسبته له، وهذا الأمر يضعف المحتوى العربي ويجعله مكروراً، كما أنّه يحبط المبدع ، وقد يشهر المقلد فترة من الزمن ، ثمّ ينكشف أمام الملأ متلبسًا بفعلته الشنيعة ، ومما ساهم في انتشار السرقات الأدبية هذه الثورة المعلوماتية والتقنية مع وجود المتلقفين لكل جديد دون محاولة لمعرفة مصدر المعلومة وصاحب المعلومة، وقد يكون من أسباب السرقات الكسل الذي يقود الكاتب لنسخ المعلومات دون تغييرها ودون ذكر المصدر، وضعف الأمانة العلمية يعد سببًا من أسباب انتشار السرقات ،
لقد فطن الأوائل لضرر هذه السرقات ، فانبرى الغيورون من الرواة والنسّاخون لحفظ الحقوق الفكرية والأدبية لصاحب الإبداع كما فعل ابن طيفور في كتاب ( سرقات الشعراء ) بين البحتري وأبي تمام ، وكذلك ( السرقات ) لابن المعتز وغيرها من الكتب التي كان لها الأثر العظيم في حفظ حقوق الأدباء والمثقفين قبل أن تظهر حماية الحقوق الفكرية، ولعلَّ السرقات تنحصر في قطرٍ واحد ، أو في زمنٍ واحد ، أو في طريقةٍ واحدة لكان الأمر سهلاً للتتبع والكشف ، لكنً السرقات تجاوزت الأقطار حتى أننا نجد سرقات من أقطار أخرى ، ولغات أخرى ، وأزمان متباعدة ، وبأساليب مختلفة .. وحتى نتجنب السرقات الأدبية يجب علينا نشر التوعية في أبنائنا الطلاب وبناتنا الطالبات منذ الصغر على خطورة السرقات على صاحب الفكرة وعلى من سرقها ، كما يجب علينا أن نبيّن لهم الطرق التي تجعلهم يقعون في السرقات الأدبية والحذر منها، ويجب علينا أن ندرّبهم على أساليب كتابة البحث العلمي وقواعده ، وعلينا أنّ نوضّح لهم حقوق النشر، وكيفية استخدام الاقتباس وحدوده، ومتى نحتاج أن نسند إلى المصدر؟ كمّا أنّ تفعيل القوانين المجرّمة للسرقات سيحدّ منها، كما أنّ هناك أدوات تستخدم لكشف السرقات الأدبية والثقافية من شأنها الحدّ من السرقات لعلّ أشهرها : بليجيارزما، بلاغتراكر، دوبليشاكر، كوبي سكايب، موقع فايبر ، وبعض مواقع البحث التي تساهم في كشف النصوص كموقع جوجل ، ومن نافلة القول أنّ للمملكة العربية السعودية تجرِبة فريدة من خلال تدريس حقوق الملكية الفكرية في مناهجها التعليمية، كما جرّمت التعدي على حقوق الملكية الفكرية ، ووضعت القوانين الصارمة لمثل هذه التصرفات، وأنشأت هيئة تعنى بالملكية الفكرية، وهذه الجهود تسهم في الحدّ من هذه الظاهرة ..
همسة الختام :
يجب علينا كقرَّاء و نُقّاد أن نكون سدًا منيعًا أمام بعض المحاولات الساعية إلى الشهرة عن طريق السرقات ، والوقوف مع صاحب النصّ الأصلي ، ولنعلم أنّ هذا الأمر سيكون له مردود كبير في إيقاف هذه العبثيات كما فعل الأوائل حين كانوا يفضحون السارق ويعدونه كسارق المال وهو كذلك .