**السينما السعودية تتحدث بثقة**

الكاتب : الحدث 2026-11-01 11:30:56

**د. طلال الحربي**

لم يكن منتدى الأفلام السعودي 2026م مجرد فعالية موسمية تُضاف إلى أجندة الحراك الثقافي في المملكة، بل جاء شاهدًا حيًّا على التحول البنيوي العميق الذي أحدثته رؤية المملكة 2030 في المشهد السينمائي الوطني؛ إذ انتقلت صناعة الأفلام السعودية في أقل من عقد من الزمن من هامش التجارب الفردية إلى قلب الاقتصاد الإبداعي، وصارت قطاعًا متكامل الأركان له مؤسساته وتشريعاته ومنصاته وأسواقه. وقد جاء برنامج المنتدى، بجلساته وورش عمله على مدى يومين، ليجسد هذه الصورة المتكاملة؛ فهو يبدأ بحديث عن قصة نمو واحدة يصنعها قطاعا الإعلام والأفلام معًا، ويمر بدور القطاع غير الربحي في دعم الصناعة وتطويرها، ثم يتوقف عند رحلة الفيلم السعودي من الفكرة إلى النجاح، وصولًا إلى التوزيع والمنصات وإيصال المحتوى إلى الجمهور، وهي حلقات تكاد تغطي سلسلة القيمة السينمائية بأكملها من الكتابة إلى العرض.

وإذا كان الناقد السينمائي يقيس نضج أي صناعة بمدى اتساع قاعدتها المهنية وتنوع مواهبها، فإن ما تشهده المملكة اليوم يبعث على الاطمئنان والاعتزاز معًا؛ فقد أتاحت الرؤية الفرصة لطاقات سعودية شابة كي تتصدر مواقع الإخراج والتأليف وكتابة السيناريو والتمثيل والتصوير والإضاءة والمونتاج والصوت والإنتاج التنفيذي، وكل ما يحتاجه العمل السينمائي من حرف وتخصصات دقيقة كانت إلى وقت قريب تُستقدم من الخارج. وقد أثمر هذا التمكين جيلًا من صناع الأفلام يمتلك وعيًا بصريًا ناضجًا وحساسية سردية قادرة على استلهام الهوية المحلية بتراثها وعمارتها الطينية ونخيلها وإنسانها، وتقديمها بلغة سينمائية معاصرة تخاطب المشاهد السعودي والعربي والعالمي على السواء. وفي هذا السياق، يكتسب حضور الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في جلسات اليوم الثاني -ولا سيما ما يتصل بإعادة تشكيل صناعة الرسوم المتحركة- دلالة واضحة على أن الطموح السعودي لا يكتفي باللحاق بالركب، بل يتطلع إلى استشراف مستقبل الصناعة وأدواتها.

ولا يقل الجانب الاقتصادي أهمية عن الجانب الفني في قراءة هذا المنتدى؛ فقد خُصصت جلسات للتمويل والاستثمار والحوافز، وأخرى لقراءة واقع القطاع بالأرقام ورصد نموه، فضلًا عن ساعة كاملة للإعلانات والاتفاقيات بحسب الجاهزية، وهي مساحة تعكس انتقال الحوار من مرحلة الأمنيات إلى مرحلة الصفقات والشراكات الملموسة. وقد تجلى أثر هذه البيئة المحفزة في تنافس الأفلام السعودية على شاشات العرض المحلية، وتحقيقها إيرادات لافتة في شباك التذاكر، وحضورها المتزايد في المهرجانات الدولية الكبرى، حتى غدت الشاشة السعودية فضاءً يتسع لإنتاجات وطنية تنافس بجدارة ما يُعرض من أعمال عربية وأجنبية، ويقبل عليها جمهور وجد في حكاياتها مرآة لذاته وتطلعاته.

ولا يستقيم الحديث عن هذه المنجزات دون الإشارة إلى الدعم غير المحدود الذي تحظى به الثقافة عمومًا والسينما خصوصًا من لدن القيادة الرشيدة؛ إذ أدركت أن الفنون قوة ناعمة ورافد اقتصادي وجسر حضاري في آن واحد. وقد تجسد هذا الاهتمام في رعاية صاحب السمو وزير الثقافة للمنتدى، وتشريف معالي نائب الوزير بافتتاحه نيابةً عنه، في رسالة واضحة إلى أن صناع الأفلام شركاء في مشروع وطني كبير يحظى بالاهتمام والمتابعة على أعلى المستويات. كما يُحسب لهيئة الأفلام ورئيسها وزملائه فيها ما بذلوه من جهد مؤسسي دؤوب في تنظيم القطاع وتمكين المواهب وفتح قنوات التمويل والتوزيع؛ فجاء المنتدى ثمرة عمل متواصل ورؤية واضحة تنظر إلى السينما بوصفها صناعة مستدامة لا نشاطًا عابرًا.

وهكذا يمكن القول إن منتدى الأفلام السعودي 2026م يمثل محطة جديدة في مسار صاعد، تتكامل فيه الرؤية السياسية الحكيمة مع الكفاءة الإدارية والموهبة الوطنية، ليكتب السعوديون بأنفسهم فصلًا مشرقًا من فصول السينما العربية والعالمية، وتبقى الشاشة الفضية ميدانًا رحبًا لتقديم صورة المملكة الحقيقية: بلد عريق  بتاريخه، طموح بحاضره، واثق بمستقبله.