|

بين السيجما والألفا والبيتا: رحلة البحث عن الذات في زمن التصنيفات

الكاتب : الحدث 2026-07-30 12:38:53

بقلم🖋️نهاد قدسي

تُعدّ مصطلحات "شخصية السيجما"، و"شخصية الألفا"، و"شخصية البيتا" من أكثر المفاهيم تداولًا في السنوات الأخيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حتى باتت من أبرز الترندات المستمرة في الثقافة الرقمية. ويرى فيها كثيرون قوالب محددة تُميّز البشر عن بعضهم، وصولًا إلى المبالغة في وصفها وكأنها شخصيات مثالية بطبيعتها.

وفي الواقع، لا توجد شخصيات كاملة؛ فالكمال صفة تفرّد بها الخالق عز وجل وحده. وكل إنسان يحمل داخله مزيجًا من نقاط قوة تحتاج إلى تعزيز، وجوانب ضعف تحتاج إلى فهم وتطوير. فالشخصية الإنسانية لا تتشكل في لحظة واحدة، بل تنمو وتتغير من خلال التجارب والمواقف التي يمر بها الإنسان.

وبات كثيرون يعرّفون أنفسهم بعبارات قطعية مثل: "أنا سيجما"، أو "أنا ألفا"، أو "أنا بيتا"، انطلاقًا من أن هذه التصنيفات تقدم وصفًا مبسطًا وسهل الفهم لهويتهم الشخصية. غير أن هذا الطرح يعطي انطباعًا خاطئًا بأن الشخصية قالب ثابت لا يتغير ، وهو أمر محال؛ فدوام الحال من المحال ، والإنسان بطبيعته كائن حي يتأثر بالعمر، والخبرة، والثقافة، والظروف المحيطة، مما يستحيل معه حصره في تصنيف واحد.

وعلاوة على ذلك، تحمل هذه التصنيفات أحكامًا ضمنية، وتضع الناس في مستويات وهمية، مما يجعلها تُفضّل فئة على أخرى؛ فيُصوَّر "الألفا" أحيانًا على أنه الأقوى، و"السيجما" الأكثر تميزًا، و"البيتا" الأضعف. وهي نظرة قاصرة؛ إذ إن كل سمة تحتمل جانبين: إيجابيًا وسلبيًا، بحسب طريقة استخدامها وتوظيفها. فالقيادة دون استماع قد تتحول إلى سيطرة، والاستقلال دون توازن قد يؤدي إلى عزلة تامة، واللطف بلا حدود قد يعرّض صاحبه للاستغلال.

ومن خلال التأمل وقراءة ما نُشر في هذا السياق، يتضح أن استخدام هذه المصطلحات يمثل "فلسفة حياة" أكثر من كونه تصنيفًا نفسيًا أو مفهومًا علميًا معتمدًا؛ فهي تعبيرات ثقافية تجمع سمات إيجابية تحث الإنسان على تطوير ذاته، بدلًا من السعي وراء الرضا والقبول الاجتماعي، وتدفعه نحو تحمل مسؤولية القرارات والاختيارات بثبات، بعيدًا عن اللوم وجلد الذات عند الوقوع في الخطأ. كما أنها تشجع على العيش وفق مبادئ واضحة وقيم متزنة؛ فالتوازن هو أساس الصحة النفسية والاجتماعية، وبناء الثقة الراسخة بالنفس، وتجنب التبعية، وانتقاء العلاقات بحكمة، انطلاقًا من أن "جودة العلاقات أهم من كثرتها"، وتحقيق الأهداف بصمت، بلا استعراض أو محاولات للفت الانتباه .. إلى آخره. 

ومن رأيي، وبعيدًا عن صخب هذه الألقاب الشائعة والتصنيفات الرقمية، فإن الإنسان لا يحتاج إلى تصنيف معين ليثبت قيمته، بل يحتاج إلى عمق في فهم ذاته وتطويرها باستمرار. وإن القوة الشخصية الحقيقية لا تثبت بالانتماء إلى "ألفا" أو "سيجما" أو "بيتا"، ولا برفع مستوى الصوت أو فرض السيطرة، بل تكمن في المرونة الموقفية: أن يقود المرء حين يتطلب الموقف قيادة، وأن يتعاون حين يلزم التعاون، وألا يتردد في طلب المساعدة متى كانت ضرورية.

وتظل الشخصية المتوازنة هي النموذج الأكثر نضجًا؛ فهي التي تجمع بين الاستقلال، والذكاء العاطفي، والقدرة الفاعلة على بناء علاقات صحية، والتواصل الواعي، والتكيف المتزن مع الآخرين من غير إفراط أو تفريط، واتخاذ قرارات سليمة، والاستمرار في النمو والتعلم. وهذا هو التوازن المنشود لحياة مستقرة وناضجة.