|

أشرف حبيب: عينٌ على الأرض، وروحٌ في المجرّة

الكاتب : الحدث 2026-07-30 09:10:31

بقلم: فاتن العقاد

قبل أن يصبح اسم أشرف حبيب حاضراً في عالم التصوير، كان طفلاً نشأ في منزل آمن احتضنته أسرة تؤمن بأن الموهبة مسؤولية قبل أن تكون هبة. والده ووالدته "اللذين يصفهما بمثله الأعلى" غرسا فيه وفي أخيه منذ الصغر الثقة بالنفس، وفتحا لهما باب الحوار واتخاذ القرار، حتى أصبحا شخصيتين مستقلتين لهما رأيهما، وتستطيعان اتخاذ قراراتهما. وتؤمن هذه الأسرة بأن الإبداع لا يولد صدفة، بل يُربّى.

في ذلك المنزل بدأت رحلته مع الرسم والقصص والخيال، وتأثر مبكراً بالدكتور مصطفى محمود -رحمه الله-، ثم لاحقاً برائد الأعمال والملياردير الصيني جاك ما، الذي ساعده على اكتشاف المجال الذي يستحق أن يهب له عمره.

كانت الكاميرا التي اشتراها عام 2012 بداية تحول لم يدرك حينها حجمه. أشعلت فتيل هذا التحول الفنانة والمصورة هند سعد عندما شاهدت صورة التقطها بهاتفه، فأكدت له أن عينه ترى ما لا يراه كثيرون، وشجعته على اقتناء كاميرا احترافية، بل وراهنته بأنها ستشتريها منه إن لم ينجح في التصوير بها.

ومنذ تلك اللحظة اتقدت شرارة التصوير في قلبه، حتى اتخذ عام 2017 القرار الأصعب؛ وهو أن يستقيل من عمل أمضى فيه قرابة عشر سنوات، بعدما أدرك أنه لا يريد أن يقدم عملاً أقل من الجودة التي اعتادها، لانجذابه الكامل إلى اكتشاف عظمة الله في خلقه بالتصوير.
لم يؤيد قراره المصيري الصعب سوى صديقه هشام. وكان أشرف حبيب مؤمناً بأن ما يكتبه الله خير، وأن الطريق الذي يفتحه الله لعبده يستحق أن يُسلك مهما بدا صعباً.

لم تكن البدايات سهلة؛ فقد مر بأزمات مادية قاسية، بلغت ذروتها في أواخر عام 2018، لكنه يذكر أن مطلع عام 2019 كان شاهداً على لطف الله وترتيبه، إذ بدأت الأبواب تُفتح تباعاً. فألقى المحاضرات وورش العمل في تصوير المجرة والرسم بالضوء، وتوسعت أعماله مع جهات كبرى مثل: وزارة الإسكان، وأرامكو، وسيتي ووك بجدة، والفورمولا.

وأنتج عملاً يحكي يوماً في حياة مدينة جدة أسماه "The City of Speed Jeddah "مدينة السرعة جدة" الذي احتاج إلى أكثر من 6500 صورة ليخرج للمشاهد في هيئة فيديو واحد متقن بتقنية التايم لابس. كما وثّق عروس البحر الأحمر قبل تطويرها بعدسات أصبحت اليوم جزءاً من ذاكرتها البصرية.

ولأن شغفه كان السماء، بدأ منذ عام 2014 دراسة مواقيت ظهور المجرة، وأصبحت فوهة الوعبة "ديرته الثانية" كما يصفها، محطة يعود إليها كل عام مرتين على الأقل ليلتقط صوراً نادرة. وتواصل مع مصورين عالميين منهم المصور الأمريكي مايكل شين بلوم، ومصور فرنسي ياباني في الإمارات العربية المتحدة.

ويقع اختيار أشرف حبيب في الكاميرات على "كانون"، حيث إن البكسل فيها وجودة التصوير أقوى، لتمنحه القدرة على إظهار جمال تفاصيل درع المجرة. ويقدر أشرف مقتنياته بشكل مميز، فهو يصف كاميراته بأنهن "بناته" ويعاملها كما يتعامل الأب مع بناته، يخاف عليها ويحملها بعناية لما عاصرته معه من أحداث، بينما يصف كاميرا هاتفه أيضاً بأنها صديقه الدائم.

وفي الوقت الذي كان فيه البعض يرى في حادثة الكسر المضاعف في كاحله نهاية مؤقتة لمسيرته، كان أشرف يراها بداية فصل جديد رتبه الله له. فخلال فترة العلاج اقترح عليه أحد أصدقائه دخول عالم تصوير قزحية العين، بعدما رآه في أوروبا، وبدأ هذا النوع من التصوير في السوق السعودي، مؤمناً بأنه سيكون أول من يقدم هذا الفن في السعودية بروح مختلفة.

تحولت أيام الاستشفاء بعد العملية في المنزل إلى ولادة مشروع "قرة عين" الذي انطلق عام 2023. ولم يكتفِ فيه بتصوير القزحية تصويراً سطحياً كما فعل الأوروبيون، بل ابتكر أسلوباً يبرز ثراء تفاصيل العيون الداكنة، مؤكداً أن الهدف ليس تصوير العين، بل إظهار عظمة الخالق في أدق تفاصيل خلقه.

أما عند سؤاله عن أقرب عمل إلى قلبه، أجاب: العمل الذي يصور مسجد الشيخ زايد في أبوظبي ودمج إليه المجرة من سماء المملكة العربية السعودية، حيث إن هذا العمل يعبر عن وحدة البلدين: الأرض أرض الإمارات العربية المتحدة، والسماء سماء المملكة العربية السعودية. وقد قام بهذا العمل خلال فترة جائحة كورونا، واستغرق منه أكثر من ثلاثة أيام عمل.

وخلال رحلته تعاون مع فنان الخفة أحمد البايض بتصوير لقطات مبهرة لعمله "Take off" حينها، وعرضت أعماله في عدة دول. وأبرز ما عرض من أعماله لفنان الخفة أحمد البايض؛ صورة تمت طباعتها على جدار في شارع الشيخ زايد في مدينة دبي بعرض 60م وارتفاع 15م.

كما صوّر الفيديو الشهير للتوستماستر السعودي المعروف محمد القحطاني على مسرح جامعة البترجي وهو يلقي خطبته باللغة الإنجليزية بكل احتراف، مفتتحاً إياها بإشعال سيجارة على المسرح فأذهل الجمهور حينها.

وأبدع في تصميم ملصق سينمائي كانت فيه المودل ياسمين شبيهة الممثلة الروسية ميلا يوفوفيتش، حيث أعاد تصويرها كبطلة لفيلم "Resident Evil"، فالمشاهد لهذا العمل لا يمكنه التمييز بين العمل الأول وبين ما أنتجه أشرف حبيب.

ونجح في تجاوز اختبار تصوير طقم ألماس متعدد القصات لدى إحدى العلامات المعروفة في سوق المجوهرات بالسعودية، وتفوق على منافسيه حيث كان الطقم تحدياً صعباً.

كما شاركت أعماله في معارض وطنية، من بينها جناح جدة في إحدى نسخ معرض «ألوان السعودية» الذي تنظمه هيئة السياحة. ولاحظ المنظمون أن الزوار كانوا يتعرفون على عمل أشرف حبيب من الوهلة الأولى، لما له من طابع خاص يصف بصمة أشرف حبيب. كما يحظى بمحبة ودعم أصدقائه منهم: طارق خوجة، وتركي الجدعاني، وهناء تركستاني في افتتاح معرضه الشخصي الأول «بوابة الإبصار».

حصل أشرف حبيب على عدة جوائز عالمية في مجال التصوير. ومع ذلك، يرى أن أهم تكريم يحصل عليه ليس شهادة أو جائزة، بل نظرة الدهشة في أعين الناس عندما يشاهدون نتيجة تصويرهم، وحينما يسمع كلمة "سبحان الله" منهم مستشعرين عظمة الخالق سبحانه من خلال أعماله.

وعند سؤاله: هل ترى أنك وصلت للنجاح؟ أجاب: "أنا أرى أنني ناجح ولكن لم أكتفِ بعد".
ورغم كل ما حققه، لا يتحدث أشرف حبيب بلغة الاكتفاء؛ فهو يؤمن أن الإنسان يظل يتعلم. لذلك لا يعرف الندم، ولا يفضل الدخول في مسابقات أو تحكيم الأعمال الفنية؛ لأنه يرى أن لكل عمل قيمته الجمالية.

أما الصورة التي لا تزال تنتظره فهي الشفق القطبي، رغم محاولته لالتقاطها في إحدى رحلاته إلى أوروبا، ولكن لعل الغيوم كانت تحول بينه وبين تحقيق عمل يعني له الكثير.
وأما عن الحلم الذي لم يتحقق بعد فهو تكوين أسرة، ولكنه أيضاً يستشعر وجود حكمة الله في ذلك، ويرى أن بقاءه حراً دون ارتباط أسري دعمه في تحقيق إنجازاته العظيمة.

وتبقى رسالته في الحياة أن يوصل إلى الناس عظمة الخالق من خلال أعمال صُنعت في السعودية، وتحمل هوية هذا الوطن الذي يراه أعظم مكان للعيش والإبداع.
وعن ما يريد أن يأخذه عنه الشباب؛ فهو أن يكونوا واثقين في أنفسهم وفي قدراتهم، وهذا يحدث بمعرفة كيفية إنجاز كل عمل حتى يخرجوه بجودة وإتقان يشرفهم أن ينسب إليهم.

وحين سُئل في نهاية اللقاء: ما أثر هذا اللقاء عليك، وهل تشعر أن شيئاً قد فاتك؟ قال: _"أعاد إليّ ذاكرة ذهبية تحمل من هو أشرف حبيب، واستذكرت ما أنجزته وكأني توقفت للحظات أتأمل هذه الإنجازات بكل فخر"_.
أما عما إذا كان هناك ما فاته؛ أجاب بكل ثقة: _«لم يفتني شيء؛ أنا مؤمن بأن كل شيء سيأتي في الوقت الذي رتبه الله لي»_.