حوارات صحفية

د.العساف: إحتجاجات "سياتل" تحولت إلى مأزق ديمقراطي كبير

الحدث 16-06-2020

 


ولاء باجسير - جدة

أدلى الدكتور عبدالله العساف أستاذ الإعلام السياسي بأرائه في حوار خاص لـ«الحدث» عن ما يدور في ولاية "سياتل" الأمريكية و سيطرة المتظاهرين عليها لجعل منها منطقة مستقلة ذاتية الحكم، وكما جاء كالتالي:


1) هل لديك فكِرة عن ‏الدولة الجديدة التي أسسها الثوار في أمريكا، دولة “ تشاز “ بمدينة سياتل .. برأيك مَن خلفهم وكيف ترى مستقبلها ؟

- في تقديري أن السحر إنقلب على الساحر وستكون أرتداداتها عكسيه على من يقف خلفها !! وكما يُقال في عِلم الجريمة فتش عن المستفيد فَالمؤشر يتجه صوب الديمقراطيين و معهم مختلف المنظمات اليسارية والرديكالية، الساعين للإضرار بحظوظ الرئيس ترامب الإنتخابية تحددياً ومَن خلفه الجمهوريين، وسبق لي أن تساءلت في إحدى مقالتي المنشورة في إحدى الصحف الزميلة .. هل سنرى نرى روح طارق البوعزيزي التونسي ؟، وقد حلت في جورج فلويد الأمريكي ذو الأصول الأفريقية ؟!! 
هذا الكانتون الذي أنشئه الفوضويون في مدينة سياتل الديمقراطية و جعلوا منه منطقة مستقلة ذاتية الحكم"، والتي يشار إليها اختصاراً بـ"تشاز" تمثل الحروف الأولى من «كابيتول هيل منطقة ذاتية الحكم» على مساحة ستة مربعات سكنية ما هي إلا نوع من الكوميديا السوداء لتحقيق أهداف محددة سلفاً، فَهذة الدولة المزعومة لا يشكل السود فيها إلا  6% فقط من إجمالي عدد السكان، وكانت المدينة الأكثر عنف من قبل الشرطة مع السود أبان الحقبة الأوبامية، فَلماذا لم تقُم أنذاك هذة الدولة ؟!
فَالإجابة تتضح من خلال عدة أمور منها رد عمدة "سياتل" على وصفها الرئيس الأمريكي للفوضويين بأنهم إرهابيين محليين، ملتمسة العذر و الحق لهم للتعبير عن إحتجاجهم و سلوكهم المشين كنوع من حرية التعبير و حبهم لوطنهم ! مع التهكم على الرئيس ومطالبته بالعودة إلى مخبأه في البيت الأبيض.
كما إن  قِلة تكرار تغطية وسائل الإعلام المناهضة للرئيس ترامب أو تقليلها من الحدث، أو إشارة بعضها إلى أن المحتجين بدأوا يفرضون رسوماً على المحال التجارية الواقعة في حيز المنطقة المحتلة ما يعنى أن هناك من يقف خلفه و يتستر عليه حتى يصبح حقيقة ماثلة للعيان، وهو ما لا يقبل به الرئيس ترامب و ربما يسعون لجره للتصادم مع المحتجين والنتيجة لا شك ستكون في غير صالحه.
هذا التجاهل الإعلامي لإحتلال منطقة سكنية في سياتل لم يكُن جريمة في نظر بعض وسائل الإعلام المؤدلجة والموجهة بل إنتقلت العدوى لتصيب حتى بعض نشطاء “تويتر الذين يغطون حقوق الحيوانات بكفاءة، تجاهلوا الفوضى في سياتل جملة و تفصيلاً، بخلاف صمت القادة الديمقراطيين حول القضية، وهو أمر يدفع إلى ترجيح ما إقترحه الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن هذة الفوضى تظهر فشل قيادة الديمقراطيين للمدن و تراخيها في مواجهة الفوضى
لذا أستطيع القول: أن إحتجاجات سياتل تحولت إلى مأزق ديمقراطي كبير، فَالمجتمع الأمريكي ومَن خلفه سُلطة بلاده وتشريعاتها وسمعتها وأمنها القومي يرفضان الأناركية التي رعاها خصوم الرئيس ترامب من خلف حجاب شفاف.


2) توجد أنباء عن إستقالة مديرة شرطة أتلانتا، وفي مدينة بفلوريدا إستقال فريق SWAT بأكمله عندما قائد الشرطة عندهم ركع للمتظاهرين .. فهل تعتقد بسبب ملاحقات ثورة اليسار الأمريكي ؟

- استقالة رئيسة شرطة أتلانتا "إريكا شيلدز،" من منصبها، عقب وفاة ريتشارد بروكس شاب اسود ٢٧ عاماً على يد الشرطة في حادث جديد، بعد مضي ٣ أسابيع على مقتل جورج فلويد والذي تسبب موته هى احتجاجات في شتي الولايات، ويمكن النظر له من زاويتين أحدهما إنسانية بحته، تندرج ضمن الثقافة العامة في الغرب عندما يحدث خطأ أو فساد في إدارة ما فإن المسؤول الأول فيها غالباً ما يُقدم إستقالته، كَنوع من الإعتذار على التقصير أو عدم المتابعة أو فشله في إدارة هذة المنظومة، والنظرة الأخرى ربما أن هناك إيعازاً رسمياً لها للإستقالة لإمتصاص الغضب الشعبي، ولكني أُرجح الأول فقد عبرَت عن وجهة نظرها ورفضها لهذا التصرف الغير مسؤول بقولها: " لا أعتقد أن إستخدام القوة المميتة كان مبرراً " كما طالبت بإقالة الضابط على الفور، وأما الركوع للمتظاهرين كتعبير عن التضامن معهم ورفض ما حدث من تميز عنصري فقصته تعود للاعب كرة القدم الأمريكي  "كولين كايبرنيك" قبل سنوات، عندما جثم على ركبته خلال أداء النشيد الوطني الأميركي في واحدة من أهم المباريات التي شاهدها معظم الأميركيين كرمز للتضامن مع حركة "حياة السود تستحق الإهتمام"، واعتراضاً منه على العنصرية ووحشية الشرطة التي برزت في المجتمع الأميركي، خصوصاً بعد وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وهي خطوة مسؤولة من قبل ضباط الشرطة للتخفيف من حالة الإحتقان المتزايدة في المجتمع الأميركي ومحاولة لإمتصاص الغضب، وفي محاولة للنأي بالنفس عن جريمة قتل جورج فلويد وغيره من السود على أيدي الشرطة في جميع الولايات، علماً بأن هذا الإجراء وحده لا يكفي بل قد يصبح عديماً للفائدة مع تكرار حوادث القتل، ما لم تكن هناك إجراءات ملموسة ورادعة لتقليص الفوارق العرقية في طريقة ممارسة الإدارات المحلية والحكومية لوظائفها في المجتمع الأمريكي.


3) هل تستطيع توقع ما سيحدث في سباق إنتخابات الرئاسة الأمريكية واحتمالية إنقلاب الموازين .. أم ستكون لصالح الرئيس ترامب ؟

- من الصعوبة الآن التكهن بمسار الإنتخابات الإمريكية، لأسباب متعددة يأتي  الفيروس التاجي على رأسها فَالولايات المتحدة من أكثر دول العالم بعدد الوفيات الناتجة عن الجائحة فلا أحد يستطيع أن يتنبأ بالرقم الذي سيتوقف عنده  ضحايا هذا الفيروس لذا فإن المخاطر عالية للغاية، فالشيء الوحيد الأعلى من الرفاهية الشخصية بالنسبة للناخبين، هو الصحة وهذة الورقة قد يستغلها "جو بايدن" مبرزاً إحصائيات الموتى كإستراتيجية مضادة للهجوم سياسياً على خصمه وتقديم هذا كَمؤشر على عدم مبالاة ترامب بمواطنيه وتجاهله العلني لوجود عدو داخلي مثل الفيروس.
بالإضافة  إلى مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية والإقتصاد الامريكي وما تعيشه واشنطن حالياً من إضطرابات ومواجهات وضرب تحت الحزام وخصوصاً من الديمقراطيين و الموالين لهم كما إن مسار الإنتخابات قد ينقلب في اللحظة الحاسمة، وإذا نظرنا إليها بتجرد تام فنجد ترامب قد يكون الأوفر حظاً، فهو الذي وعد ووفى وجعل أمريكا أولاً، وانعش الإقتصاد الأمريكي وخفض نِسبة البطالة إلى حدودها الدنيا، كُل هذا تم ولم تتحرك البوارج الأمريكية ولم تخسر أمريكا جندياً واحداً بعكس أسلافه، لقد تصرف في الحكم، كَرجل أعمال، وليس كَرجل سياسة،  لذا كَسب مئات المليارات التي أُضيفت للخزينة الأمريكية، بما أسهم في إنعاش الإقتصاد، ولهذا  وقبل إنتشار وباء «كورونا»، كانت الدلائل تُشير إلى إحتمالات فوز ترامب بدورة رئاسية ثانية، لكن إدارته أخفقت في التعامل مع هذة الجائحة منذ بدايتها، وهو ما ألقى بظلاله على مستقبله الإنتخابي حيث يحكم الوضع الإقتصادي - في الأغلب - وليس السياسي، مَن يصل إلى البيت الأبيض، والعنصر الحاسم في هذا الإختيار، هو مستوى إرتفاع الكساد أو التضخم، وما رافقها من أحداث عنصرية طالت السود، ومع ذلك تبقى الأمور عائمة فَالديمقراطيون منشقون على أنفسهم، و "جو بايدن" رجل ضعيف وتلاحقه قضايا فساد تتعلق بإبنه في أُوكرانيا، لذا أكرر بأن التكهن صعب و للناخب الأمريكي ومَن خلفه  ممن له ثقله في ترجيح كفة على أخرى كلمة لن تسمع قبل نهاية شهر نوفمبر القادم.

 

د. عبدالله بن عبدالمحسن العساف 
أستاذ الإعلام السياسي.


مشاركة الخبر