مقالات الحدث

( تلك الطفلة تلاحقني )

الحدث 06-08-2021 11:25:03am

كانت في عجلة من امرها لتذهب وتبدأ يومها مثل كل يوم، لكن أوقفها الصوت؛ بدأت تُنصِت وتتبع الصوت،لقد بات الصوت واضحًا فهو نحيبٌ مؤلِم لطفلة تبكي وكأنها أمٌ ثكلى؛ كانت تجلس في الزاوية خلف الباب وهي مُتكوِّرة على نفسها ويغطي جسمها الندوب والجروح..
اقتربت منها بِفزَع قائلةً: من أنتِ وكيف أتيتِ هنا؟
كانت الطفلة تشهق وتقول: لقد تركتِني لقد تخليتي عني!
ردت عليها بتعجب وعطف: كيف لي أن أتخلّى عنكِ وأنا لا أعرفكِ؛ مابكِ أيتها الصغيرة أخبريني من فعل بكِ كل هذا وكيف دخلتي هُنا ؟
أطالت النظر هذه الطفلة الغاضبة الحزينة وقالت: كيف تسألينني كيف دخلت وأنا لم أغادر أصلا لطالما كنت هنا ولطالما شاركتُكِ كل قراراتك، فأنتِ لم تسمحي لي بالمغادرة وهذا الذي سبّب كل ندوبي..
هيَّا انظري إلي جيداً ألم تتعرفي علي بعد! 
بدأت تتأملها وجلست بجانبها على الأرض حتّى شهقت فزِعة؛ و قالت: أنتِ تُشبهين الطفلة التي في الصور ؛ أنتِ أنا، أنتِ طفولتي.. أنا لا أفهم؛ ألا يُفترض أنكِ كبرتي لتُصبحي أنا؛ يجب ألا تكوني موجودة..
تنهدت الطفلة وهي واضعه يديها في خدها وقالت: لقد حاولت كثيرًا أن أرحل لكن باءت محاولاتي بالفشل لهذا بقيت عالقة هنا فأنتِ لم تسمحي برحيلي..
أتذكرين الوحش الذي كنتُ أُحبه جدًا؛ الذي كان مُتوحشًا مع الجميع ولطيفًا جدًا معي.. بعقلي الطفولي لم أكن أَعي أنه وحش بالرُغم من أنني كنتُ أخافه جدًا وأبكي تحت لحافي خوفًا من صوته ومع ذلك أحببته كثيرًا.. بالرُغم من أنه كان وحشي اللطيف؛ لكن ما إن أصبحتُ أنا الطفلة أنتِ الكبيرة لقد توقف عن كونه لطيفًا معي.. وكل هذه الندوب والجروح الذي ترينه فهو منه.. دعيني ارحل اسمحي لي فأنا تعبتُ من اتخاذ القرارات عنكِ يجب أن ارحل بسلام وادعكِ تعيشين دون قيود الماضي..
قالت للطفلة: ومن قال لكِ أني مُكبّلة بقيود الماضي انظري إلي امرأة ناجحة وقوية وابتسامتي لا تُغادرني.
وقفت الطفلة وبدأت تبكي بهستيرية وتقول: أنا هنا انظروا إلي لستُ شيئاً منسياً التفتوا قليلاً، أحبوني كثيرًا ثُم فجأة توقفت عن البكاء؛ وأكملت حديثها: ألم نعش بهذا الشعور طِوال حياتنا أنا وأنتِ! ألا تبكين على نفسكِ الآن عندما تفتكرين كل ذلك وتقولي لنفسك لا بأس فأنا هنا لأجل نفسي بعد الآن! يا تُرى لماذا يُغضِبُكِ الصوت العالي إلى هذا الحد ويقلب كيانك! لم لا تستطيعين النوم دون أن تتلحفي جيدًا حتّى لو كان الطقس حارًا ! لأنني مازلتُ اسكنكِ ولازِلتِ تلك الطفلة التي كانت تبكي تحت لحافها.. ألا تظنين بأنكِ أصبحتِ تَترُكين كثيرًا؛ خوفًا من أن يتّمَ تركك كما حدثَ سابقًا! ألا تُعاقبين نفسكِ كثيرًا وتُحملِيها مالا تطيق ظناً منكِ بأنّ هذا ذنبك؛ كما اعتادوا هم على لومِك دومًا في كل شيء وإن كُنتِ الضحية لقد جعلوا منكِ الجاني؛ وأنتِ جنيتي على نفسك..
لقد خانتها دُموعها وهي تسمع للطفلة وقالت: كم يبدو هذا الأمر مُخيفًا لطالما ظننتُ أن كل ما مضى انتهى.. 
احتضنت الطفلة قائلةً لها سأُحرِركِ وأُحرِر نفسي معك.

إذاً؛ نحنُ نتاج الماضي، وتكوين كل الذكريات؛ السيئة منها والجيدة..
حتّى نصل لمرحلة التشافي علينا أن نتعافى من جروحنا العميقة .. ونتصالح مع صدماتنا العتيقة .. ونواجه ملفاتنا العالقة..

دُمنا ودُمتم متصالحين مع ماضينا ومُنسجمين مع حاضرنا..

 

مسعودة ولي
Masudah77

المصدر :صحيفة الحدث


مشاركة الخبر